ذلك أن كلام الناس ينصرف إلى ما تعارفوه ولو خالف المعاني الحقيقية التي وضع لها اللفظ في أصل اللغة حيث إن العرف قد نقل هذه الألفاظ من أصل معانيها اللغوية إلى هذه المعاني العرفية بحيث لا يخطر ببال المتكلم المعنى الحقيقي اللغوي لغلبة اللفظ في الاستعمال إلى الحقيقة العرفية بحيث لو صرف كلام المتكلم إلى حقيقته اللغوية دون العرفية لأدى إلى إلزام المتكلم في عقوده وإقراراته وأيمانه وطلاقه وسائر تصرفاته القولية إلى ما لم يعنه ولم يخطر بباله وإلى ما لا يفهمه الناس من كلامه ولهذا المعنى قرر الفقهاء قاعدة، فقالوا: الحقيقة تترك بدلالة العادة، وقالوا أيضًا يحمل كلام الحالف والناذر والموصي والواقف وكل عاقد على لغته وعرفه وإن خالف لغة العرب والشارع، وقد نقل ابن عابدين عن القنية قال: ليس للمفتي ولا للقاضي أن يحكما على ظاهر المذهب ويتركا العرف (١) ، وجامع الفصولين مطلق الكلام فيما بين الناس ينصرف إلى المتعارف وفي فتاوي العلامة قاسم التحقيق أن لفظ الواقف والموصي والحالف والناذر وكل عاقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها وافقت لغة العرب ولغة التاريخ (٢) ، ولقد طبق الفقهاء أحكامًا كثيرة منها مثلًا لو حلف المرء لا يجلس على بساط فجلس على الأرض، أو حلف لا يجلس تحت سقف فجلس تحت السماء، أو لا يستضيء بسراج فاستضاء بالشمس، أو لا يأكل لحمًا فأكل سمكًا لم يحنث في كل ذلك. وإن سمى القرآن الأرض بساطًا إذ قال تعالى:{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا}(٣) ، وقال:{وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا}(٤) وقال: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا}(٥) .
فهذه الأسماء التي وردت في الكتاب وإن كانت هي الحقائق اللغوية، لكن غلب استعمالها في المحرف على المعاني المقصودة للمتكلم التي لا يخطر بباله حين أقسم لا يبيت تحت سقف أن السماء سقف أو أن الشمس سراج ولا الحيتان لحم، ولذا لم يلزم الناس الحنث بها وإن كانت ما أقسم يصدق عليها لغة، كذلك لو حلف الإنسان أن لا يضع قدمه في منزل فلان انصرفت يمينه إلى معنى مطلق الدخول الدار إذ هو المعنى العرفي الذي ينصرف إليه الذهن ويفهمه السامع فيحنث بدخوله ولو راكبًا ولو أدخل رجله من غير أن يدخل بدنه لا يحنث ومن هذا القبيل كذلك إطلاق الولد على الذكر دون الأنثى وإطلاق الناس اللحم على غير لحم السمك فلو أقسم لا يأكل لحمًا فأكل سمكًا لم يحنث للعرف كذلك لو أقسم لا يركب دابة وكان عرفهم أنها لا تطلق إلا على الحمار خاصة كمصر فركب فرسًا لا يحنث، وهكذا يتعين حمل اللفظ تنزيل الكلام على ما جرى بين الناس وتحديد ما يترتب على تصرفاتهم القولية من حقوق وواجبات حسب المعاني العرفية، وإن لغة العامة في كل مكان هي من هذا القبيل فيتعين حمل كلامهم على ما تعارف بينهم وكذلك العرف العملي أو الفعلي، فإن الفعال العادية والمعاملات المدنية لها السلطان المطلق في فرض الإحكام وتقييد آثار العقود والالتزامات على ما جرى بينهم وتعارفه خاصتهم وعامتهم في كل ما لا يخالف نصا من نصوص الشريعة (٦) بل هذا العرف العملي هو نفسه يعتبر دليلًا شرعيًّا – حيث لا دليل سواه – ومرجعًا للأحكام.
(١) رسالة نشر العرف مجموعة رسائل ابن عابدين ٢ /١١٥ (٢) رسالة نشر العرف مجموعة رسائل ابن عابدين: ٥ /١٣٣ (٣) سورة نوح: الآية ١٩. (٤) سورة نوح: الآية ١٦. (٥) سورة النحل: الآية ١٤ (٦) المدخل للفقه العام: ٢/ ٨٣٧.