ولقد استند القضاء في كثير من الأحكام والفتيا وفي كثير من المسائل طبقا لما يقتضيه العرف كالتقادير في الصغر والكبر والكثرة والقلة في الأقوال والأفعال في الصلاة وفي ثمن المثل في البيع ومهر المثل والكفء في النكاح، كما أسند على العرف في تعيين العروض في المؤونة والكسوة والمسكن في النفقات، واستند إليه في مقادير الحيض والطهر في الصلاة والعدد وأقصى أمد الحمل في النسبة واستند إليه في فهم الألفاظ في الأيمان وفي الوقف وفي الوصية وفي الطلاق (١) ، والرهن والإجارة والقراض والمساقاة وغيرها (٢) .
وقد أورد ابن فرحون أمثلة عديدة روعي فيها العرف والعادة (٣) من ذلك اختلاف الزوجين في متاع البيت، وهما في العصمة أو بعد طلاق أو وفاة وكان التداعي بين الورثة أو مات أحدهما وكان التداعي بينه وبين ورثة الآخر، وأن الحكم في ذلك يقضي للمرأة بما يعرف للنساء، وللرجال بما يعرف للرجال طبقًا للعرف المتبع، وكذلك إذا اختلف المتبايعان في قبض السلعة أو الثمن، فالأصل بقاء الثمن بيد المبتاع وبقاء المبيع بيد البائع ولا ينتقل ذلك إلا ببينة أو عرف كالسلع التي جرت العادة أن المشتري يدفع ثمنها قبل أن يبين بها كاللحم والخضر والغلال ونحوها فيحكم ذلك بالعرف والعادة.
ومن ذلك الحكم بمقتضيات الألفاظ، يقول البائع: بعتك هذه الأرض بكذا ولم يزد على هذا، فإن هذا اللفظ يتناول ما هو متصل بالأرض كالبناء والشجر، وهذا بحكم العرف ولفظ الشجر والدار يشمل الثوابت والرفوف والسلم المستمر والأشجار التي في الدار لأن العرف قاضي بهذا (٤)
ومن الفروع التي كان حكمها مبنيًّا على شهادة العرف تمزيق رسم الدين أو قطع طرفه أو سطر بسملته، فإنه يدل عادة على براءة من الدين فلا يقيد المستظهر به شيئًا، ومن الفروع التي استند القضاء فيها للعادة أحداث الساقية التي تمر فيها الفضلات التي تصل إلى الخندق، فمن امتنع من الموافقة على إحداثها ممن تمر عليه أجبر عليه لأن العادات قضت بذلك، ومن الفروع المبنية على العادة القضاء بشهادة الحيازة على الملك وهذا كله يشهد بأن العرف دعامة من الدعائم التي ارتكزت عليها أحكام القضاة وفتاوى الفقهاء (٥)
(١) الطريقة المرضية في الإجراءات الشرعية: ص ٥٢ (٢) شرح لامية الزقاق، لعمر الفاسي: ص: ٣٠٠ (٣) التبصرة، لابن فرحون: ٢ /٦٧ (٤) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام، للقاضي ابن فرحون: ٢ /٦٠. (٥) الطريقة المرضية في الإجراءات الشرعية: ص ٤٦ – ٥٢.