للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان المجتهدون تعرض لهم العادات المختلفات باختلاف الجهات فيطبقون عليها القواعد العامة ومنها (العادة محكمة) كاستئجار الكاتب في كون الحبر والأقلام عليه واستئجار الخياط في كون الخيط والإبرة عليه أو على المستأجر فالحكم تابع لعرف ذلك البلد وعلف الحيوان المستأجر، هل على ربه أو على المستأجر، وكاستئجار الظئر بطعامها وكسوتها، فإنه جائز للعرف وإن كان مجهولًا. فكان لزامًا على المجتهدين أن يراعوا عادات الناس وما جرى عليه عرفهم في مختلف الأقطار وأن يطبقوا القواعد العامة في ذلك وأن يقروا الأحكام على حسب العادات الصالحة ويبطلوا منها ما كان مناقضًا لأسس الشريعة ومقاصدها، فقد أخذ عمر رضي الله عنه بتدوين الدواوين وهي عادة فارسية.

وكم من فرع وارد في باب البيوعات والإجارات أخذوا به واعتمدوه في أحكامهم لما فيه من مصلحة واضحة، وحتى ما كان فيه نوع من العوج هذبوه وأقروه كوضع الخراج على الأرض، فإن ذلك كان معروفًا عند الفرس وقد قبله عمر رضي الله عنه ومعه الصحابة بعد أن عدل نظامه. وقد علق المهدي الوزاني بعد أن نقل قول مالك فيمن دفع إلى شهود كتابًا مطويًّا، وقال: اشهدوا عليَّ بما فيه، أو كتب الحاكم كتابًا إلى حاكم وختمه وأشهد الشهود به ولم يقرأه عليهم، فقال: الشهادة جائزة نقله عن الباجي، ثم نقل كلام الرهوني على قول المختصر، وأفاد أن أشهدهما أن ما فيه حكمه أو خطه كالإقرار، قال الرهوني: وكذلك شهادتهما به، وإن لم يشهدهما عند ابن القاسم وابن الماجشون، قال الشيخ المهدي: فإن هذا أمر قد تمالأت عليه العدول والقضاة وجرت به عادتهم في أزمان طويلة ودهور متوالية، وقد نص الأئمة على أن العادة تقوم مقام الإفصاح باللسان وتغني عما أغفل رسمه بالبنان كما في المعيار عن المعقاني، بل قدم ابن رشد ما شهدت به العادة بشرطيه على شهادة الشهود بكتبه على الطوع في كثير من الأحكام (١) .

وقد نبهنا إلى أنه إذا تعارض الأصل والعرف قدم العرف على الأصل لأنه أقوى بحيث لو شهد لأحد المتخاصمين الأصل وشهد للآخر العرف كان المدعى عليه من شهد له العرف، لأن العرف أقوى من الأصل، وقد نقلنا عن الشيخ الوالد رحمه الله أنه لدقة تحقيق المناط وتطبيق القواعد على جزئياتها صعب أمر القضاء، وكان علم القضاء أخص من فقه القضاء (٢) .


(١) حاشية المهدي الوزاني على تحفة الحكام: ١ /١٩٩
(٢) الطريقة المرضية في الإجراءات الشرعية: ص ٤٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>