ولو نظرنا إلى العقوبة التعزيرية نرى أن الشرع لم يحدد مقدارها ولا نوعها وإنما فوض الأمر فيها للحكام حسب ما تقتضيه المصلحة في كل زمان وحسب ما يحقق الزجر بالنسبة للجناة وهي تقدر شرعًا بحسب العرف الذي يقتضي الكف عن المخالفة وسد الأقدام عليها في نظر العقلاء وعرفهم بحسب درجات الجرم حتى لا يكون أكثر مما يستدعيه الجرم المرتكب فيكون ظلمًا ولا أقل فيكون تهاونا بالحقوق، والقاعدة أن كل ما رتب عليه الشرع حكمًا ولم يحد فيه حدًا يرجع فيه العرف والتعزير لا يتقدر بقدر ويخير في العقوبات على قدر الجريمة وصاحبها، وهذا موكول لاجتهاد الإمام (١)
ولقد نص ابن فرحون في التبصرة نقلًا عن القرافي أن التعزير يختلف باختلاف الأعصار والأمصار فرب تعزير في بلد آخر يكون إكرامًا في بلد كقطع الطيلسان (من لباس العجم) ، ليس تعزيرًا في بلاد الشام بل هو إكرام وككشف الرأس فليس هوانا عند الأندلسيين وهو هوان بمصر والعراق (٢) .
ولا شك أن المجتهدين تأثروا ببيئاتهم وعاداتهم وتقاليدها وهناك من كان متأثرًا بالحضارة الفارسية وبعضهم الحاضرة الرومانية أو بالحضارة الفرعونية أو البربرية والتي كانت عليها عاداتهم وقوانينهم، وقد كان هذا من أعظم أسباب الاختلاف بين الفقهاء في استنباطهم للأحكام وليس معنى هذا أن العرف والظروف تتحكمان في النصوص الصريحة فيحمل المجتهد على القول بحكم غير الذي تعطيه النصوص وإنما معناه أن النصوص منها ما كان قواعده عامة يمكن تطبيقها حسب الظروف والأحوال ومنها ما هو معلل بمصالح خاصة تدور الأحكام وتتغير حسب هذه المصالح، وهكذا يظهر واضحا اختلاف المذاهب في الأحكام المستنبطة كالخلاف في كثير من الفروع بين المذهب الحنفي الذي نشأ بالعراق وبين المذهب المالكي الذي نشأ بالحجاز وأجلى من ذلك ما كان من الإمام الشافعي الذي أخذ فقهه عن الإمام مالك ثم انتقل إلى العراق وتأثر بالطريقتين، ثم لما قدم مصر واطلع على العادات المخالفة لما عرفه بالحجاز وبالعراق، وكان قد كتب مذهبًا بالعراق فلما قدم مصر واطلع على عاداتهم وتقاليدهم ورأى أحوالا غير أحوالهم دعاه ذلك إلى أن يعدل في كثير من اجتهاداته واستنباطه فكان في كثير من الفروع نرى له قولين قوله القديم وقوله الجديد بعد هجرته إلى مصر.
وقد ذكرنا فيما تقدم أن قوة العرف تظهر في تخصيص العام وتقييد المطلق فيحمل العام على ما يقتضيه العرف وبينا أن مالكا رحمه الله خصص قوله تعالى:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}[الآية ٢٣٣ من سورة البقرة] فاستثنى الشريفة التي جرى العرف بأن أمثالها لا يرضعن وإن اختلفت المذاهب في تخصيص العام به، فبعضهم يعتبر ذلك في عرف القولي دون الفعلي وبعضهم لا يعتبر في تخصيص العام إلا العرف الفعلي وبعضهم لا يعتبر العرف من المخصصات أصلًا قولًا أو فعلًا كالمذهب الجعفري، وإنما يعتمدون على العرف في تقسيم الدليل الشرعي اللازم حمله على المعنى العرفي.