وكذلك كان العرف أساسًا لكل مظهر من مظاهر العرب في حياتهم من أمانة وأخلاق وتجارة ومعاملات، وقد دخلت بعض هذه العادات في التشريع الإسلامي من أبواب مختلفة كبناء بعض الأحاديث عليها أو سكوت الرسول صلى الله عليه وسلم عن بعضها كما دخلت كذلك في باب إجماع المجتهدين وفي باب الأدلة الشريعة كالاستحسان والمصالح المرسلة ونحوها، ذلك أن التقاليد التي تعتادها كل أمة وتتخذها منهجا تسير عليه ومسلكًا متبعًا تصبح من ضروريات الحياة التي لا يمكن أن تستغنى عنها وتصبح بمرور الزمن بمثابة الدين حرمة وتقديسًا؛ لأن العمل بكثرة تكراره يصير جزءًا من كيان الإنسان لا يمكن أن ينفصل عنه ويتخلص منه وكما قيل: الإنسان ابن ما تعود ولا شك أن في نزع الناس عن عاداتهم حرجًا عظيما.
ولقد راعت الشريعة الإسلامية عوائد الأمم المختلفة وإن كان خلاف الأصل في التشريع الإلزامي والذي يسع ذلك إنما هو الإباحة حتى يتمتع كل فريق من الناس ببقاء عوائدهم، لكن الإباحة لما كان أصلها الدلالة على أن المباح ليس فيه مصلحة لازمة ولا مفسدة معتبرة لزم أن يراعى ذلك في العوائد فمتى اشتملت على مصلحة ضرورية أو حاجية للأمة كلها أو ظهرت فيها مفسدة معتبرة لأهلها لزم أن يصار بتلك العوائد إلى الانزواء تحت قواعد الشريعة العامة من وجوب أو تحريم، ولذا نرى التشريع لم يتعرض لتعيين الأزياء والمساكن والمراكب فلم يندب الناس إلى ركوب الإبل في الأسفار ولم يمنع أهل مصر والعراق من ركوب الحمير ولا أهل الهند والترك من حمل على البقر لذلك لم يحتج المسلمون إلى تطلب دليل على إباحة استعمال الجمل والدراجات والعربات والأرتال والطيارات والبواخر.
وكذلك لم يحتاجوا إلى تطلب الدليل على إباحة أصناف الطعام. التي لا تشتمل على أي شيء محرم الأكل بحيث لا يسأل عن ذلك إلا جاهل بالتركيب أو جاهل بكيفية التشريع. إنا نوقن أن عادات قوم ليس يحق لها بما هي عادات أن يحمل عليها قوم آخرون في التشريع ولا أن يحمل عليها أصحابها كذلك، نعم يراعي التشريع حمل أصحابها عليها ما داموا لم يغيروها لأن التزامهم إياها واطرادها فيهم يجعلها منزلة منزلة الشروط بينهم يحملون عليها في معاملاتهم إذا سكتوا عما يضادها وهذا ما تقتضيه الشريعة باعتبار عمومها وشمولها لكل البشر في كل العصور.