للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فمعنى صلاحيتها لكل زمان ومكان أنها قابلة بأصولها وكلياتها للانطباق على مختلف الأحوال بحيث تساير أحكامها مختلف الأحوال دون حرج ولا مشقة ولا عسر، وأما بمعنى أن يكون مختلف أحوال العصور والأمم قابلًا للتشكيل على نحو أحكام الإسلام دون حرج ولا مشقة ولا عسر، كما أن مكن تغيير الإسلام لبعض أحوال العرب والفرس والقبط والبربر والروم والتتار والهنود والصين والترك من غير أن يجدوا إحراجًا ولا عسرا في الإقلاع عما نزعوه من قديم عاداتهم الباطلة ومن دون أن يلجأوا إلى الانسلاخ عما اعتادوه وتعارفوه من العوائد المقبولة، وهذا هو معنى صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، أي باعتبار أن أحكامها كليات مشتملة على حكم ومصالح صالحة؛ لأن تتفرع عنها أحكام مختلفة الصور متحدة المقاصد. وهذا معنى سماحة الشريعة ونفي الحرج عنها وكونها ليست نكاية للأمة وإنها شريعة عملية تسعى إلى تحصيل مقاصدها في عموم الأمة وفي خويصة الأفراد ولا يتم ذلك إلا بطريق التيسير وعدم التعسير (١) وفي نزع الناس عن عاداتهم حرج وأي حرج، وذلك لما للعادات من التغلغل في النفوس.

وقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها إذ جاءها عراقي، فقال: أي الكفن خير قالت: ويحك وما يضرك، قال: يا أم المؤمنين أرني مصحفك، قالت: لم قال لَعَلِّي أُؤَلِّفُ القرآن عليه فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: ما يضرك أيه قرأت قبل. إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا ولو نزل ولا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده قال فأخرجت له المصحف فأمليت عليه آي السورة (٢) .

يحتمل أن يكون سؤال الرجل من الكفن خبر عن الكم أو الكيف أو النوع وكلمة ويحك للترحم وقولها: وما يضرك أي: أي شيء يضرك بعد موتك وسقوط التكليف عنك في أي كفن كفنت، وقوله: لعلي أؤلف القرآن عليه أي على القراءة التي بعث بها عثمان بعد للعواصم إذ كان القرآن على قراءة ابن مسعود في العراق، وكان تأليف مصحف العراقي مغايرًا لتأليف مصحف عثمان فلذلك جاء لعائشة وسأل الإملاء من مصحفها وقولها: أيه قرأت أي القرآن قرأت قبل قراءة السورة الأخرى من القرآن وقولها: إما نزل أول ما نزل منه من المفصل سمي مفصلًا لكثرة ما يقع فيها من فصول التسمية بين السور، وقد اختلف في أول المفصل: فقيل سورة ق، وقيل سورة محمد، وأول ما نزل إما (المدثر) وإما (اقرأ) ففي كل منهما ذكر الجنة والنار، ففي المدثر قوله تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ} [سورة المدثر: الآية ٢٦] .


(١) مقاصد الشريعة الإسلامية للعلامة محمد الطاهر بن عاشور: ص ٨٨ – ١٠٠
(٢) الحديث أخرجه مسلم في التفسير، وفضائل القرآن، عن يوسف بن سعيد بن مسلم

<<  <  ج: ص:  >  >>