إن للعرف في نظر الشريعة الإسلامية قيمة كبرى في التشريع حيث يعد مستندًا لكثير من الأحكام العملية بين الناس في مجالات كثيرة في الحياة، كما أن للعرف سلطانًا واسعًا في استنباط الأحكام وتجددها أو تعديلها وتحديها وتقيدها وإطلاقها. ولقد كان للعرف اعتبار قبل الإسلام وكان أساسًا لكل مظهر من مظاهر الحياة وهذه فرنسا مثلًا أحكامها جارية حسب العوائد بحيث كل جهة من جهاتنا تجرى أحكامها على عوائدها، وتلك العوائد في الأصل ليست مكتتبة، ثم وقع كتاب كثيرًا منها وممن كتب بعض تلك العوائد الملك فيليب الرابع المتولي ملك فرنسا سنة ١٢٨٥ ميلادية، ثم لما كانت الجهة الجنوبية من فرنسا قريبة من إيطاليا تداخلت فيهم الأحكام الرومانية حتى كانت أحكام فرنسا عند نهاية القرن الثامن عشر على قسمين: فالقسم الشمالي أحكامهم منوطة بالعوائد، والقسم الجنوبي أحكامهم مشتركة بين العوائد والأحكام الرومانية، لكن رئيس الطبقة الرابعة من ملوك فرنسا نابليون بونابرت كانت له عناية بضبط الأحكام قبل ولاية الإمبراطورية واختار لذلك خاصة رجال مملكته وترأس عليهم بنفسه في مجلس كتب الأحكام الذي تألف من أربعين شخصًا فضبطوا جميع ما وصلهم علمه من العوائد الجارية بالقسمين مما هو مكتتب أو غير مكتتب، وأخذوا من أحكام الرومان ما ناسب الحال عندهم وما جرى به العمل في جهاتهم وجمعوا من ذلك كله (كودنابليون) ، فأعلنه بفرنسا في مارس سنة ١٨٠٤م أربعة وثمانمائة وألف عندما كان نابليون هو القنصل الأكبر النافذ الكلمة، وعلى إثر ذلك ولي الإمبراطورية في باريس في ١٦ مايو ووقعت في قانونه الزيادة مع التعديل سنة عشر ثم تعدل أيضا سنة ١٨١٢، ولم يزل العمل به جاريًا في المملكة الفرنسية وكان أمره منوطًا بمجلس الشورى الذي له النظر في معنى فصوله ولمجلس النواب والسناة حق تغيير الأحكام ووضع القوانين على حسب ما يقتضيه الحال وكلما اقتضى الحال تغيير شيء من فصوله غيروه على ترتيبهم ويعرف الآن باسم (كودسفيل) وهو القانون الجاري به العمل وينعتونه بالقانون المدني الفرنسي ومحتواه ألفان ومائتان وإحدى وثمانون مادة ترجع إلى ثلاثة أصول ذكرت في ثلاث مقالات.
المقالة الأولى في الكلام على الأشخاص – المقالة الثانية في الأملاك وما يعتريها من أحكام، والمقالة الثالثة في أنواع الطرق التي تفيد الملكية وقد ترجمه إلى العربية رفاعه بك ناظر قلم التحرير وعبد الله بك رئيس القلم وأحمد حلمي وعبد السلام أفندي وطبع في مطبعة بولاق سنة ١٩٨٢ (١) .
(١) مطلع الدراري بتوجيه النظر الشرعي على القانون العقاري: ص ٩١- ٩٢، ط. المطبعة الرسمية التونسية سنة ١٣٠٥ هـ