للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وما ذكرناه هو في العرف القولي أما العرف العملي فيعتبر في كل تصرف العرف الذي كان موجودًا عند التصرف دون الحادث بعده، فلو تغير عرف الناس فيما يعد عيبًا في المبيعات، أو فيما يدخل في البيع تبعًا للمبيع، أو في تقسيط أجرة العقارات المؤجرة أو في كون الخلاص بالشهر الشمسي لا القمري أو في أن المهر في النكاح معجلًا كله أو مؤجلًا بعضه، أو لا يحل باقية إلا بموت أحد الزوجين أو الفراق مثلًا فإن العرف الحادث بعد وقوع هذه العقود لا يسري على التصرفات السابقة ولا يغير شيئًا من أحكامها ولا من التزاماتها، وإنما تخضع تلك التصرفات والعقود جميعها إلى ما قارنها من العادات والتقاليد لا إلى ما حدث بعدها، أما التصرفات الجديدة الواقعة في ظل هذه العادات الجديدة فنها تكون خاضعة لها، حيث كانت مقارنة لها، أو العادات سابقة لها (١) .

هذه هي الشروط المعتبرة في العرف وتحكيمه في كل التصرفات والالتزامات بحيث يسقط عن الاعتبار إذا افتقد شرط من هذه الشروط وتنعدم صلوحيته في بناء الأحكام عليه عند علماء الشريعة.

أما أهل القانون من المعاصرين فزيادة على الشروط المتقدمة الذكر اشترطوا أن يكون العرف مطابقًا للنظام العام والآداب في المجتمعات، فإذا جرت عادة الناس على ما ينافي الأخلاق والنظام العام فإنه لا يعتد به، مثلًا مسألة الأخذ بالثأر في بعض الأقاليم فإن هذا وإن تتطبع به بعض الجهات فإنه لا ينشأ عنه عرف ملزم قانونًا؛ لأنه يتعارض مع قاعدة أساسية من القواعد التي تقوم عليه المجتمعات من أن الدولة هي التي تتولى القصاص من الأفراد وتقيم الحدود على المعتدين، ولا يجوز بحال لأحد أن يثأر لنفسه ويأخذ حقه بيده؛ لأن الدولة هي التي تقوم على حراسة الناس ومصالحهم في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وهي التي تنشر الأمن والأمان بين المواطنين، وإن مخالفة ذلك يستوجب العقاب ويعد الآخذ بثأر نفسه من المعتدين ويترتب على ذلك وجوب احترام القانون وأن كل من خالفه عرض نفسه للجزاء لأنه بعدم احترامه للقانون وبمخالفته لما يوجبه اعتبر من المعتدين. وقد جرى العرف بوجوب احترام القانون واستقر ذلك في نفوس الناس وأن القانون فوق الجميع حتى أصبح قاعدة مسلمًا بها مجمعًا عليها. ومن القديم عند شدة القوة الرومانية وعند تفرق الممالك بالاستقلالية، وقد أخذت كل دولة مأخذها بعد جميع شملها واختارت من الأحكام ما وافق عوائدها وأحوالها وجعلتها أساسًا لما وضعته، وهكذا صارت الأحكام الرومانية اصلًا أصيلًا لجميع القوانين الدولية في معظم الممالك الأوروبية ومدار جميعها على العدالة في الحكم والتحلي بالإنصاف ونشر الخصال الشريفة ودفع الأمة عن الرذائل.

* * *


(١) المدخل الفقهي العام، للشيخ الزرقاء: ٢ /٨٧٨ –٨٧٩

<<  <  ج: ص:  >  >>