للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فالصنف السابع وهو سبيل الله هم الغزاة المجاهدون الذين لا حق لهم في ديوان الجند لأن السبيل عند الإطلاق هو الغزو لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} [سورة الصف: الآية ٤] .

وقوله: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [سورة البقرة: الآية ١٩٠] .

فيدفع إليهم من مال الزكاة لإنجاز مهمتهم وعودتهم، ولو كانوا عند الجمهور أغنياء لأن في الجهاد مصلحة عامة أما من له شيء مقدر من الديوان فلا يعطي لأن من له رزق راتب يكفيه فهو مستغن به وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يعطي الغازي في سبيل الله إلا إذا كان فقيرًا أو مريدًا للحج، والحج عند الحنفية وبعض الحنابلة من السبيل، فيعطى مريد الحج من الزكاة لما روى أبو داود، عن ابن عباس أن رجلًا جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأة الحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ((اركبيها فإن الحج في سبيل الله)) ، فيأخذ مريد الحج من الزكاة إن كان فقيرًا ما يؤدي به فرض حج أو فرض عمرة لأنه يحتاج إلى إسقاط الفرض وأما التطوع فلا، والصنف الثامن ابن السبيل هو المسافر في طاعة غير معصية، وقد عجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة، وقد اتفق فقهاء المذاهب على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير من ذكر الله في الآية كبناء المساجد والجسور والقناطير والساقيات وإصلاح الطرق وتكفين الموتى وقضاء الدين والتوسعة على الأضياف ونحوها من القرابات لكن فسر الكاساني في البدائع سبيل الله بجميع القرب، فيدخل عندئذ كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجًا لأن في سبيل الله عام في الملك فيشمل حينئذٍ عمارة المساجد ونحوها مما ذكر.

وفسر بعض الحنفية سبيل الله بطلب العلم ولو كان الطالب غنيًا قال أنس والحسن: ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة ماضية لكن قال مالك رحمه الله: سبيل الله كثيرة ولكني لا أعلم خلافًا في أن المراد بسبيل الله ههنا الغزو، فهو حينئذٍ حقيقة شرعية في الجهاد وإذا كان ذلك فلا يصح حمله على كل ما كان من قبيل القرب فحمله على كل قربة يخالف ما جرى عليه العرف عند نزول الآية فلذا لا يشمل كل القرب، وهو ما مال إليه بعض العلماء لأن النص يجب أن يحمل على معناه العرفي الأول الذي قال فيه مالك: لا أعلم خلافا في أن المراد بسبيل الله غير الغزو، وقد قال القرافي: دلالة العرف مقدمة على دلالة اللغة لأن العرف ناسخ للغة والناسخ مقدم على المنسوخ، فكما أن العقد يحمل الثمن فيه على النقود المعتادة ولا عبرة لما حدث بعد ذلك من العادات في التغيير في النقود، فكذلك نصوص الشريعة لا يؤثر فيها إلا ما قارنها من العادات (١) .


(١) التنقيح، للقرافي: ص ٢٤٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>