الشرط الرابع: للاعتماد على العرف أن يكون سابقًا للنص فلا عبرة بالعرف المتأخر عن النص، فإذا تأخر عن تاريخ العقد أو تاريخ التصرف فلا يمكن الاحتكام إلى العرف المتأخر، يقول القرافي: إنما يعتبر من العادات ما كان مقارنًا لها، فكذلك النصوص الشرعية لا يؤثر فيها إلا ما قارنها من العادات، وأما العوائد الطارئة بعد النطق فلا يقضى بها على النطق، فإن النطق سالم عن معارضتها فيحمل على اللغة ونظيره إذا وقع النقد في بيع فإن الثمن يحمل على العادة الحاضرة في النقد وما يطرأ بعد ذلك من العوائد في النقود لا عبرة به في هذا البيع المتقدم وكذلك النذر والإقرار والوصية إذا تأخرت العوائد عليها لا تعتبر وإنما يعتبر من العوائد ما كان مقارنًا لها، فكذلك نصوص الشريعة لا يؤثر في تخصيصها إلا ما قارنها من العوائد (١) فلو وقع الاتفاق على ثمن المبيع بدراهم أو دنانير في بلد قد اختلفت فيها النقود ولم يقع التنصيص على نوع النقد انصرف الثمن إلى النقد المعروف بين الجميع والذي هو فاش في البلد متدوال بين الجميع، ولا ينصرف أصلًا إلى ما طرأ بعد ذلك العقد من أصناف أو تغيير ولذا يتعين حمل ألفاظ الواقفين في أوقافهم وفي النصوص والوثائق في العقود والتصرفات، وما جاء فيها من قيود وإطلاقات يتعين فيها مراعاة العرف الذي كان زمن إنشائها، فإن لم يراع في فهمها وتفسيرها ما كان قائمًا من أعراف ساعة صدور العقود وإنشاء التصرفات وقعنا في الخطأ في فهم المعنى المراد ذلك أن كل متكلم إنما يتكلم بحسب عرفه ولا يقصد من كلامه إلا ما يتعارفه ولا يمكن حمل كلامه أصلًا على ما نشأ من الأعراف والعادات الحادثة لقاعدة أن العرف يعمل فيما يوجد بعده لا فيما وجد قبله (٢) .
وهكذا النصوص التشريعية يجب أن تفهم بحسب مدلولاتها العرفية في عصر صدور النص فإن لم يكن عرف حملت على مدلولاتها اللغوية ولا يمكن حملها على ما نشأ بعد من العرف والعادة بعد صدورها ولا عبرة بتبدل مفاهيم الألفاظ في الأعراف الزمنية المتأخرة وإلا لم يستقر للنص التشريعى معنى فمثلًا أوجب الله صرف الزكاة إلى الأصناف الثمانية التي جاءت في سورة التوبة:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}[سورة التوبة: الآية ٦٠] .
(١) تنقيح الفصول، للقرافي بهامش التوشيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح: ص ٢٤٨ (٢) تنقيح الفصول: ص ٢٤٨، وسلم الوصول لعلم الوصول: ص ٢٤٥