قال ابن عابدين: ولكن مشائخنا لم يجيزوا هذا التخصيص، لأن ذلك تعامل أهل بلدة واحدة، وتعامل أهل بلدة واحدة لا يخص الأثر لأن تعامل أهل بلدة إن اقتضى أن يجوز التخصيص فترك التعامل من أهل بلدة أخرى يمنع التخصيص فلا يثبت التخصيص بالشك، بخلاف التعامل في الاستصناع فإنه وجد في البلد كلها. وفي الأشباه والنظائر لابن نجيم: تنبيه هل يعتبر في بناء الأحكام العرف العام أو مطلق العرف ولو كان خاصًا؟ المذهب الأول قال في البزازية معزيًا إلى الإمام البخاري الذي ختم به الفقه: الحكم العام لا يثبت بالعرف الخاص وقيل يثبت. انتهى (١)
الشرط الثالث: عدم معارضة العرف بتصريح يخالفه، فإذا اشترط أحد المتعاقدين شرطًا يخالف ما جرى به العرف ولايتناقض العقد وجب العمل بمقتضاه لأن الناس على شروطهم ولا عبرة للعرف حينئذ، وإنما يعتد بالعرف ويرجع إليه عند الإطلاق فمثلًا جرى العرف أن مصاريف كتب العقد وتسجيله يكون على المشتري فلو اشترط المشتري على البائع أن تكون هذه المصاريف على البائع ورضي البائع بذلك فلا عمل على العرف لأن الناس على شروطهم إذا كان الشرط لم يحل حرامًا أو يحرم حلالًا، كما ورد ذلك في الحديث إذ العرف منزل منزلة الشرط الضمني ولا يقوى الشرط الضمني أمام الشرط الصحيح (٢) ، ولأن المقرر عند الفقهاء أن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا فقد نزل العرف منزلة الشرط المصرح به، أي عند عدم وجوده، أما مع وجوده فلا يعتد به، إذ لا يعتمد على شرط ضمني مع شرط منصوص عليه، ثم سكوت المتعاقدين عن الأمر المتعارف وعدم اشتراطهم إياه صراحة يعتبر واقعًا منهم اعتمادًا على العرف، فإثبات الحكم المتعارف في هذه الحالة إنما هو من قبيل الدلالة فإذا صرح بخلافه بطلت هذه الدلالة ولا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح (٣) .
وقد نقل في الأحكام عن العز بن عبد السلام الشافعي، قال: كل ما ثبت بالعرف إذا صرح المتعاقدان بخلافه بما يوافق مقصود العقد ويمكن الوفاء به صح، فلو شرط المستأجر على الأجير أن يستوعب النهار بالعمل من غير أكل ولا شرب ويقطع المنفعة للزمه ذلك، أما لو شرط عليه أن يعمل شهرًا في الليل والنهار، قال فالذي أراه بطلان هذه الإجارة لتعذر الوفاء بها فكان ذلك غررًا لا تمس الحاجة إليه وتنزل القرينة العرفية منزلة الشرط، فلو أن امرأة أقامت بينة عند التنازع في الجهاز على ما هو من خصائص الرجال أو أقام الرجل بينه على أن ما هو من خصائص النساء فإنه يقضي بما شهدت به البينة والشهادة إذ البينة تقدم على العرف، وهذا ما عناه العز بن عبد السلام حيث يقول: إن البينات أقوى من الظن المستفاد من هذه الجهات ومدرك هذا الشرط أن دلالة العرف أضعف من دلالة اللفظ يترجح عن المعارضة.