وخلاصة القول: إن الأعراف المعتبرة هي التي توافق الدلة الأصولية المعتبرة، أما ما ورد على خلافها وجاء معاكسًا لمقاصد الشريعة وغاياتها فهو مردود لا يعتد به ولا يعوَّل عليه، وقد ذكر القرافي في تنقيحه في الفصل الثالث في مخصصات العام، قال: وعندنا العوائد مخصصة للعموم، قال الإمام: إن علم وجودها في زمن الخطاب وهو متجه، قال شيخنا محمد الطاهر بن عاشور: المراد بالعوائد العامة وهي ما غلب على الناس من قول أو فعل أو ترك وهي تخصص ما قارنته، فإن قارنت نصًّا شرعيًّا خصصته وإن قارنت ألفاظ الأيمان والعقود خصصتها ومثل للعمل بالنص والعرف معًا عند المالكية بقوله تعالى:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}[سورة البقرة: الآية ٢٣٣] .
فخصت المالكية ذوات القدر والشرف من عموم الوالدات وكذلك من كل رجلًا على أن يشتري له ثوبًا فاشترى له ما ليس من لباس أمثاله، فإنه لا يلزمه ما اشتراه (١) .
قال ابن عابدين: اعلم أن العرف نوعان خاص وعام، وكل منهما إما أن يوافق الدليل الشرعي والمنصوص عليه في كتب ظاهر الرواية أو لا، فإن وافقهما فلا كلام، وإلا فإما أن يخالف الدليل الشرعي أو المنصوص عليه في المذهب فنذكر ذلك في بابين: الباب الأول إذا خالف العرف الدليل الشرعي، فإن خالفه من كل جهة بأن لزم منه ترك النص فلا شك في رده كتعارف الناس كثيرًا من المحرمات من الربا وشرب الخمر ولبس الحرير والذهب وغير ذلك مما ورد تحرميه نصًّا، وإن لم يخالفه من كل وجه بأن ورد الدليل عامًا والعرف خالفه في بعض أفراده أو كان الدليل قياسًا والعرف خاصًا، فإنه لا يعتبر وهو المذهب كما ذكره في الأشباه، حيث قال: فالحاصل أن المذهب عدم اعتبار العرف الخاص ولكن أفتى كثير من المشائخ باعتباره، وقال في الذخيرة البرهانية في الفصل الثامن من الإجارات فيما لو دفع إلى حائك غزلًا على أن ينسجه بالثلث، قال: ومشائخ بلخ كنصير بن يحيى ومحمد بن سلمة وغيرهما كانوا يجيزون هذه الإجارة في الثياب لتعامل أهل بلدهم والتعامل حجة يترك به القياس ويخص به الأثر، قال ابن عابدين: وتجويز هذه الإجارة في الثياب للتعامل بمعنى تخصيص النص الذي ورد في قفيز الطحان لأبي الحائك، إلا أن الحائك نظيره يكون واردًا فيه دلالة، فمتى تركنا العمل بدلالة هذا النص في قفيز الطحان كان تخصيصًا لا تركًا أصلًا وتخصيص النص بالتعامل جائز، ألا ترى أنا جوزنا الاستصناع للتعامل، والاستصناع بيع ما ليس عنده وإنه منهي عنه وتجويز الاستصناع بالتعامل تخصيص منا للنص الذي ورد في النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان لا ترك للنص أصلًا، لأن عملنا بالنص في غير الاستصناع قالوا بخلاف ما لو تعامل أهل بلدة بقفيز الطحان، فإنه لا يجوز ولا تكون معاملتهم معتبرة؛ لأنا لو اعتبرنا معاملتهم كان تركًا للنص بالتعامل ولا يجوز ترك النص أصلًا وإنما يجوز تخصيصه.