للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهذا يعني أنه إذا أثبت العرف حكمًا مخالفًا لما أثبته النص يعمل بالنص ويترك العرف المخالف ولا يعتد به، لأن النص أقوى من العرف ولا يترك الأقوى بالأضعف، فإذا كان العرف مخالفًا للنص من كل وجه حيث لو عمل به لزم منه ترك النص وعدم العمل به؛ مثل تعارف الناس كثيرًا من المحرمات شرعًا كتعاملهم بالربا واعتيادهم لعب القمار وتناول المسكرات وغير ذلك من كل المحرمات بالنص، فإن ما جرى به العرف واعتاده الناس لا ينقل الحكم الشرعي من الحرمة إلى الحلية، نعم إذا لم يكن العرف مخالفًا للنص من كل وجه ولا مبطلًا للحكم الذي أثبته النص، كما إذا كان النص الشرعي عامًا والعرف خاصًا كأن يخالفه في بعض أفراده، فإذا يعمل بهما ويكون العرف مخصصًا لذلك الحكم العام الذي ورد به النص وتخصيص العام وتقييد المطلق ليس نسخًا لحكم الأصل ومن أمثلة ذلك أن الفقهاء اشترطوا في محل العقد أن يكون المعقود عليه موجودًا وقت التعاقد، فقالوا بعدم صحة التعاقد على معدوم كبيع الزرع قبل ظهوره لاحتمال عدم نباته ولاحتمال عدم الوجود كبيع الحمل في بطن أمه وبيع اللبن في الضرع وبيع اللؤلؤ في الصدق أو العقد على مستحيل الوجود في المستقبل كالتعاقد مع طبيب على علاج مريض توفي، فهذه العقود كلها باطلة، وذلك لما ورد من نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع حبل الحبلة، والمضامين في أصلاب الإبل والملاقيح، ونهي ما في بطون النوق ونهيه عن بيع ما ليس عندك لأن البيع فيها وقت التعاقد معدوم وقد استثنى الفقهاء من هذه القاعدة العامة في منع التصرف بالمعدوم عقود السلم والإجارة والمساقاة والاستصناع مع عدم وجود المحل المعقود عليه حين إنشاء العقد، وذلك استحسانًا ومراعاة لحاجة الناس وتعارفهم على ذلك وإقرار الشرع لهذه العقود، فقد ثبت في السنة تشريع المساقاة والمزارعات والإجارات وقرر الاستصناع مع أنه مستثنى من بيع المعدوم، وندرك أنه لا يلزم من العمل بالعرف المخالف للنص ترك النص؛ فالعمل بالمتعارضين أولى من إلغاء أحدهما، فيبقى النص عاملًا في عمومه ومستثني منه ما وقع استثناؤه وذلك معنى تخصيص العام، أما إذا تعارض العرف مع النص من كل الوجوه تعين ترك العرف والعمل بالنص؛ لأن العرف لا يقوى على إلغاء النص وإهداره، ولهذا لما جاء الإسلام ألغى كثيرًا مما كان متعارفًا عند العرب وجرت عليه عاداتهم في حرمان النساء من الميراث واعتبار الظهار طلاقًا ونحوها مما جرت عليه عاداتهم في الجاهلية (١) .

وقد استثنى بعضهم العرف التجاري باعتبار أن العرف التجاري هو تقنين للعادات التي اصطلح عليها التجار فيما بينهم، ورد ذلك بأنه لا يخرجه عما تعارفه الناس فيلزم أن لا يتعارض مع النصوص الشرعية.


(١) فلسفة التشريع، لصبحي محمصاني: ص ٢٦٩، ومبادئ الثقافة الإسلامية، لفاروق النبهان: ص ٢٧٢

<<  <  ج: ص:  >  >>