ولا يلزم من اطراد العرف أو غلبته أن يكون عامًا بين جميع الناس، لأن عموم العرف غير اطراده (١) ، فقد يكون العرف منتشرًا عامًا في جميع البلاد وقد يكون خاصًا ببلد معين أو خاصًا بأهل مهنة معينة أو أهل حرفة مخصوصة دون سواها فيكون معروفًا من جميع أهل تلك الحرفة غير مقتصر على عدد منهم وهذا ما يسمى بالعرف الخاص فهو عام بين أهل تلك الصناعة معروف لدى الأغلبية الساحقة من أهل تلك الصناعة كأهل التجارة أو الزراعة وأي مهنة من المهن ويطلق عليه عرف مهني أو طائفي أو إقليمي (٢) ، والعرف أعم من أن يكون عامًا أو خاصًا فيشترط لاعتباره وتحكيمه في المعاملات المطلقة أن يكون في محيطه مطردًا أو غالبًا على أعمال أهله (٣) .
وندرك من وراء ذلك أن المراد من العموم إنما هو عمومه في المكان الذي يقع فيه أو عمومه في الأشخاص الذي صدر عنهم العمل بمقتضاه كالعرف الصناعي والعرف المهني، فإن اختل هذا الشرط سقط عن الاعتبار فلا يكون ملزمًا وينزل عن درجة العرف الملزم إلى درجة العادة التي لا تلزم إلا إذا اشترطها المتعاقدان إذ لا تصلح أن يكون مستندًا أو دليلًا للرجوع إليها في تحديد الحقوق والواجبات المطلقة، كما فصلناه سابقًا، وقد قال القرافي في الأحكام: لا يكفي في الاشتهار كون المفتي يعتقد ذلك لأن ذلك نشأ من دراسة المذهب وقراءته والمناظرة عنه، بل الاشتهار أن يكون أهل ذلك لا يفهمون عند الإطلاق إلا ذلك المعنى (٤) ولهذا اعتبرنا من شرط العادة أن تكون عرفًا الاطراد والغلبة فلا يكون عرفًا إذا كان لا يعرفه إلا الخواص من أهل المعرفة.
الشرط الثاني لاعتبار العرف دليلًا يصار إليه أن لا يكون مخالفا لنص شرعي إذ هو لا يقوى قوة النص وقد جاء في المبسوط كل عرف ورد النص بخلافه فهو غير معتبر (٥) .
قال ابن عابدين في نشر العرف: لأن العرف قد يكون عن باطل بخلاف النص، كما قال ابن الهمام، وقد قال في الأشباه: العرف غير معتبر في المنصوص عليه، قال في الظهيرة من الصلاة وكان محمد بن الفضل يقول: السرة إلى موضع نبات الشعر من العانة ليس بعورة لتعامل العمال في الإبداء عن ذلك الموضع عند الاتزار وفي النزع عن العادة الظاهرة نوع حرج وهذا ضعيف وبعيد لأن التعامل بخلاف النص لا يعتبر. انتهى بلفظه (٦) .
(١) المدخل الفقهي العام: ٢ /٨٧٥ (٢) المدخل للعلوم القانونية، لتوفيق فرج: ص ١٣٢ (٣) المدخل الفقهي العام: ٢ /٨٧٥ (٤) الأحكام في تمييز الفتاوى والأحكام: ص ٧١ (٥) المبسوط، للسرخسي: ١٢ /١٩٦ (٦) نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف – مجموعة رسائل ابن عابدين: ٢ /١١٥