فإذا تساوت العادات أهملت ولا يعمل بواحدة منها فلو جرى ببلد أن الأب يجهز ابنته من ماله الخاص، كما جرت العادة بأن ما يجهز ابنته به يعتبر عارية وبعد أن زفت الزوجة بهذا الجهاز إلى بيت الزوجية اختلفا فادعى الأب أنها عارية، وادعى المنازع أنه تمليك والعادة في البلد واقعة بهما، ولم تكن بينة تثبت ما ادعاه أحدهما فلا يكون هذا العرف المشترك دليلًا ولا حجة لأحد الخصمين نظرًا لتعارضهما ولو أخذ بأحد العادتين لكان ترجيحًا بلا مجرح وهو تحكم (١) ، فلذا لا يبنى الحكم على هذا العرف ويرجع إلى الأصل، والأصل يشهد للأب لأنه المعطي وهو أدرى بحقيقة ما أعطاه، وإنما يقدم العرف على الأصل إذا تعارض الأصل والعرف، أما إذا سقط العرف لمعارضته بما يماثله رجعنا إلى الأصل، فكان الأب مدعى عليه لأن من شهد له أصل أو عرف كان مدعى عليه فإن شهد لأحدهما الأصل وللآخر العرف كان من شهد له العرف هو المدعى عليه ولدقة تحقيق المناط وتطبيق القواعد على جزئياتها صعب أمر القضاء، وكان علم القضاء أخص من فقه القضاء (٢) وإنما قدم العرف على العادة لأنها قاصرة عن العرف إذ يلزم لقيامه توافر الركنين المادي والمعنوي في حين أن العادة يكفي فيها توفر الركن المادي والعادة وإن كانت معتبرة لكنها لم تصل إلى العرف الذي بلغ إلى درجة الإلزام والعادات لا تلزم الأفراد إلا إذا اتفقوا عليها وانصرفت إرادتهم إلى التقيد بها صراحة أو ضمنًا (٣) .
وندرك أنه لا يلزم من العمل بالعرف المخالف للنص ترك النص؛ فالعمل بالمتعارضين أولى من ...
واختلف في العادة هل هي كشاهدين فلا يمين معها أو كشاهد يحتاج معها إلى يمين والمشهور توجيه اليمين إن كان للمدعى فيه نزاع غير من احتج بالعادة فتجب اليمين على المحتج بها، فإن لم يكن منازع فلا يمين قاله صاحب الدكانة عظوم وانتزعه من تعليل القرطبي (٤) وابن عرفة عدم توجه اليمين على صاحب اللقطة بعدم منازع له فيها، قال الشيخ الوالد رحمه الله: وما ذكره عظوم غير مطرد ينتقض بمسألة ما إذا زوج ابنه البالغ وهو ساكت حتى إذا فرغ أنكر بحدثان ذلك، فإنه يستحلف أنه لم يرضَ فإن نكل لزمه النكاح وكان عليه نصف الصداق (٥)
والخلاف في لزوم النكاح للناكل مبني على الخلاف في أن العادة هل هي كالشاهد أو كالشاهدين، فإن قلنا كالشاهدين لزم النكاح بنكوله وعليه نصف الصداق، وإن قلنا كالشاهد لم يلزمه وقد بسط المسألة شراح العمليات الفاسية عند قول الناظم ومن تحمل عن ابنه النكاح (٦)
(١) سلم الأصول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: ص ٢٤٧ (٢) الطريقة المرضية في الإجراءات الشرعية، للشيخ محمد العزيز جعيط: ص ٤٤ (٣) مقاصد الشريعة الإسلامية، لعلال الفاسي: ص ١٥٣ (٤) هو أحمد بن عمر الأنصاري الأندلسي القرطبي يعرف بابن المزين وممن أخذ عنه القرطبي صاحب التفسير والتذكرة. (٥) الطريقة المرضية في الإجراءات الشرعية وما جرى به العمل في الأقطار التونسية على مذهب السادة المالكية: ص ٥١. (٦) العمليات الفاسية: ١ /١١.