للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العرف المعتبر في اصطلاح الفقهاء:

إن العرف المعتبر في الاصطلاح هو ما استقر في النفوس من جهة العقل وتلقته الطباع السليمة بالقبول ولم يعارضه نص شرعي فخرج بقيد ما استقر في النفوس ما حصل ندرة ولم يجر في عادة الناس، فهذا لا يعد عرفًا، وبقيد من جهة العقول خرج ما استقر في النفوس من جهة الأهواء والميولات والشهوات فمن اعتاد شرب المسكرات واللعب بالأوراق وارتكاب أنواع الفجور والموبقات لا يعد ذلك من العرف في شيء، كذلك ما استقر في النفوس لسبب خاص كاللكنة الخاصة بسبب اختلاط العجم بالعرب وكتفاؤل قوم أو تطيرهم من بعض الأعمال لاقترانها مصادفة بنفع أو ضر كما تعارف ذلك عند العرب في الجاهلية فهذا لا يعد عرفًا أيضًا في الاصطلاح (١) وهذا التعريف يفارق التعريف اللغوي للعرف، لأنه في اللغة يطلق على كل ما تتابع الناس فيه بعضهم ببعض لا فرق بين أن يكون مصدره العقل أو الغريزة أو مجرد الصدفة والاتفاق. وأما القيد الأخير وهو أن لا يعارض بنص شرعي، فذلك لأن العقل يخطئ ويصيب وليس كل ما حسنه العقل هو حسن ولا كل ما قبحه العقل قبيح خلافًا للمعتزلة إذ الحسن عند أهل السنة ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع، ومسألة التحسين والتقبيح العقليين مسألة تداخلت فيها الأنظار واختلف فيها أهل المعرفة الذين إليهم يشار ومنهم من سلك فيها مسلك الإفراط ومنهم من اتبع طريق التفريط، وقد سلك الشيخ محمد جعيط مسلكًا وسطًا بين الطريقتين في رسالة ألفها سماها زبدة التحصيل والتنقيح في مسألة التحسين والتقبيح (٢) .

ولكي يصبح للعرف قوة الالتزام والاعتبار اشترط الفقهاء شروطًا لا بد من توافرها فيه، إذ ليس كل عرف يصلح أن تبنى عليه الأحكام الشرعية كما قدمنا، وليس كل عرف لغوي دليلًا يرجع إليه الفقيه كلما أعوزه النص من الكتاب والسنة، وهذه الشروط هي أولًا الاطراد والغلبة ومعناه أن يكون العمل به جاريًا بين متعارفيه في جميع الحوادث، ولذلك قالوا: لا تعتبر العادة إلا إذا اطردت أو غلبت وانبنى على هذا الشرط أن لو باع أحد بنقود (بعشرين) ولم ينص على النقد، فإن العقد ينصرف إلى النقد المتعارف في ذلك البلد، فإذا تعدد النقد انصرف إلى الأغلب لأن الأغلب هو المتعارف فينصرف المطلق إليه ويلغي في هذه الحالة العرف المشترك ولا يعمل به ولا تبنى عليه الأحكام، جاء في الأشباه والنظائر للسيوطي إنما تعتبر العادة إذا اطردت فإن اضطربت فلا، وإن تعارضت الظنون في اعتبارها فخلاف، وكذلك لو غلبت المعاملة بجنس من العروض أو نوع منه انصرف الثمن إليه عند الإطلاق في الأصح (٣) .


(١) العرف والعادة، للشيخ أحمد فهمي أبي ستة: ص٩
(٢) ضمن هذه الرسالة حاشية المسماة منهج التحقيق والتوضيح لحل غوامض التنقيح: ١ /٣١٣-٣٤٨.
(٣) الأشباه والنظائر، للسيوطي: ص ٦٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>