للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد قسم محمد بن يحيى الولاتي الشنقيطي العرف إلى قسيمن الأول: عرف الشارع القولي كغلبة استعمال الصلاة في الأركان المخصوصة في العرف الشرعي، حيث نقل الشرع لفظ الصلاة من مطلق الدعاء إلى العبادة التي تفتتح بتكبيرة الإحرام وتختم بالسلام، وقد صار لفظ الصلاة إذا أطلق لا ينصرف إلا للمعنى الثاني وأصبح المعنى اللغوي مهجورًا.

القسم الثاني: عرف الشارع الفعلي كالأذان حيث صار علامة عرفية على دخول وقت الصلاة في عرف الشرع ذلك أن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه، كما يقوله تقي الدين ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام شرح عمدة الحكام (١) ، ولا شك أن الشارع حينما يخاطب يتعين حمل كلامه على المعاني الشرعية إذ ذلك هو عرفه وإن كان قد مانع بعضهم في العرف الشرعي واعتبره داخلًا ضمن العرف الخاص لكن المحققين من الأصوليين أثبتوا الحقائق الشرعية، فقد نقل القرافي في تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الفصل السابع في الفرق بين الحقيقة والمجاز (٢) : أن للحقيقة الشرعية تفسيرين، الأول: أن يقال إن حملة الشرع غلب استعمالهم للفظ الصلاة في الأفعال المخصوصة حتى بقي اللفظ لا يفهم منه إلا هذه العبادة المخصوصة وهذا لا نزاع فيه، والثاني: أن يقال أن صاحب الشرع وضع هذه الألفاظ لهذه العبادات وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال: قال القاضي أبو بكر الباقلاني لم يضع صاحب الشرع شيئًا، وإنما استعمل الألفاظ في مسمياتها اللغوية ودلت الأدلة على أن تلك المسميات اللغوية لا بد معها من قيود زائدة حتى تصير شرعية، وقالت المعتزلة: بل تجددت هذه العبادات كمولود جديد يتجدد فلا بد له من لفظ يدل عليه، وقال الإمام فخر الدين وطائفة معه ما استعمل في المسمى اللغوي ولا نقل، بل استعمل اللفظ في خصوص هذه العبادات على سبيل المجاز، لأن الدعاء الذي هو أصل الصلاة لغة جزء الصلاة الشرعية، لأن فيها دعاء الفاتحة ويبعد غاية البعد أن يكون قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) أن يكون مراده الدعاء من حيث هو دعاء. وزاد في نفائس الأصول في شرح المحصول يبين أن الوضع له ثلاثة معان جعل اللفظ دليلًا على المعنى كتسمية الولد زيدًا ومنه تسمية اللغات ووضعها ويقال الوضع على غلبة الاستعمال للفظ في المعنى حتى يصير أشهر من غيره، وهذا هو وضع الحقائق الثلاث الشرعية كالصلاة للفعل المخصوص والعرفية العامة كالدابة للحمار والعرفية الخاصة كالجوهر والعرض عند المتكلمين، ويقال الوضع على مطلق الاستعمال ولو مرة واحدة وهو قولهم من شرط المجاز الوضع أي سمع منهم مرة واحدة التجوز لذلك النوع من المجاز ولم يسموا مطلق الاستعمال وضعًا إلا في هذا الوضع (٣) ,


(١) أحكام الأحكام: ١ /١٧٧
(٢) تنقيح الفصول بهامش حاشية ابن عاشور: ص ٤٦
(٣) نفائس الأصول في شرح المحصول، للقرافي- خط: ١ /٣٤٠

<<  <  ج: ص:  >  >>