فالعرف العملي هو اعتياد الناس أفعالًا في حياتهم وجريان معاملاتهم المدنية عليها في حياتهم اليومية وتبادلهم المصالح وتصرفاتهم في عقودهم وبيوعاتهم وأنكحتهم ويدخل في ذلك عطلهم وأعيادهم وكل ما جرى عليه عملهم على حسب جهاتهم وعاداتهم فلو اعتادت جهة من الجهات أو البائع هو الذي يوصل البضاعة إلى بيت المشتري، كان ذلك على البائع، ولو أعتادوا أن الصداق يدفع شطرة عاجلًا وشطره آجلًا أو أن أجر العمال يدفع أقساطًا على رأس كل شهر، وكانت هذه العقود مطلقة قيدها العرف لأن المعروف كالمشروط وأعراف الناس العملية كثيرة لا تحصى والعمل فيها على ما جرى به العرف والعادة (١) .
وينقسم العرف القولي والعملي إلى عام وخاص.
فالعرف العام هو الذي يكون عامًا فاشيًا في جميع البلاد الإسلامية بين غالب الناس في أي أمر من الأمور وقد عرفه ابن عابدين بقوله: هو ما تعارفه عامة أهل البلد سواء كان قديمًا أو حديثا (٢) ، وعرفه ابن فرحون بقوله غلبة معنى من المعاني على جميع البلاد (٣) .
وهذا النوع من العرف ينتظم كثيرًا من الظواهر الاجتماعية المنتشرة في العالم كالاستصناع، فإن الناس محتاجون إليه في كل زمان لا يخلو يوم من التعامل به في كل مكان حتى أصبح جاريًا في كل الحاجيات كالبيع بالمعاطاة وتأجيل جانب من المهر ونكاح التعويض في بعض الجهات وتقسيم الصداق إلى معجل ومؤجل واعتبار الأدوات الضرورية للسيارات والدراجات، وكألفاظ تعارف الناس على أنها لإزالة العصمة في المنكوحات وتحديد الركاب في الطيارات واستهلاك الماء المجهول في الحمامات واعتبار وضع اليد دليلًا على الملكية في الحيازات إلى غيرها مما لا يحد ولا يحصى كثرة مما هو معلوم لدى الخاصة والعامة.
وبخلافه العرف الخاص، ببلد أو فرقة أو جماعة أو من فئة من أهل الاختصاصات، فهذا العرف متنوع متعدد لا تحصى صوره لأن مصالح الناس واحتياجاتهم وعلاقاتهم متجددة متنوعة حسب نوع الاختصاص، فللتجار أعرافهم وللمحامين أعرافهم وللأطباء أعرافهم وهكذا فيما هو عيب مما ليس بعيب عند التجار وتقدير الأجور عند المحامين والعدول وتعليقها على نجاح الأمور، ومعلوم توصيل الركاب ونقلهم من محطة إلى محطة ومن جهة إلى جهة وتعارف التقسيط في نوع من البيوع وتأجير الغرف في السناد وألفاظ الواقفين وعباراتهم والوصايا والأيمان وما إليها، كل هذا من قبيل العرف الخاص.
(١) المدخل الفقهي العام: ٢ /٨٤٧ (٢) نشر العرف، بناء بعض الأحكام على العرف (مجموعة رسائل ابن عابدين) : ٢ /١٣٩. (٣) التبصرة: ٢ /٥٧