إن العرف القولي هو في الحقيقة من قبيل المجاز اللغوي إذا احتاج فهم المعنى المقصود إلى قرينة أو علاقة عقلية، فإذا استغنى عن هذه الملاحظة وعلى هذه العلاقة العقلية بكثرة الاستعمال حتى صار يتبادر المعنى الثاني إلى الذهن وصار المعنى اللغوي كالمهجور كان ذلك من قبيل الحقيقة العرفية وإلا فهو مجاز لغوي أن كان في المفردات أو مجاز عقلي أن كان في المركبات فمن رأيته يجري وراء غيره وبيده عصا وهو يصيح لأقتلنك فلا شك إنه يفهم من هذه القرينة الحالية أن مراده الضرب المؤلم.
ولو وقفت أمام متعاقدين وسمعت أحدهما يقول وهبتك هذا الثوب بعشرة دنانير، فلا شك أنك تفهم من ذلك البيع لا الهبة ذلك أن الهبة تكون بغير مقابل فقوله بعشرة دنانير قرينة مانعة من حمل اللفظ على حقيقته وحمله على مجازه وهو البيع، وكما لو قال الحاكم حكمت المحكمة على فلان بكذا، فإن المحكمة وهي البناية لا تحكم، وإنما الذي يحكم هو الحاكم فنسبة الحكم إليها من باب إسناد الفعل إلى غير من هوله وذلك هو المجاز العقلي، ومثله فتح الأمير البلاد وإنما الفاتح جنده، فهذه الاستعمالات كلها من قبيل المجاز إذ هي قائمة على قرائن لفظية أو حالية مانعة من حمل اللفظ على ظاهره وليست من الحقائق العرفية في شيء.
أما العرف الفعلي وهو ما يعبر عنه بالعرف المعنوي فهو ما اعتاده الناس في حياتهم وتعودت به أنفسهم وقد عرفها القرافي في تنقيحه فقال: العادة غلبة معنى من المعاني على الذهن، وقد تعم جميع الأقاليم كحاجة الناس إلى الغذاء والتنفس في الهواء، وقد تكون خاصة ببعض البلاد كالنقود والعيوب وقد تكون خاصة ببعض الفرق كالآذان للمسلمين والناقوس للنصارى فهذه العادة يقضي بها عندنا. اهـ (١)
ومن هذا الوادي اختلاف الزوجين في متاع البيت مما جرت العادة أن يملكه الزوج كالرمح والسيف قضي به له وما اختص بالزوجة كالفرش والوسائد وأدوات التجميل قضي به لها (٢) .
(١) فتح الجليل الصمد في شرح التكميل والمعتمد المشتهر بالعمليات الفاسية، لابن عبد الله محمد بن قاسم بن محمد بن عبد الجليل الفلالي السجلماسي، ط١ سنة ١٢٩٠هـ. (٢) تبصرة القضاء والاخوان في وضع اليد وما يشهد له من البرهان، للشيخ حسن العدوي: ١٨١