ينقسم العرف إلى صحيح وفاسد، فالفاسد لا يقول به أحد ولا يعتمد عليه، والعرف الصحيح ينقسم إلى ما يتعلق بالألفاظ أو يتعلق بالأفعال فالمتعلق بالألفاظ هو ما تعارف الناس على استعماله بحيث إذا نطق الإنسان باللفظ انصرف أولًا إلى هذه الحقيقة العرفية وابتعد عن الحقيقة اللغوية حيث صار منقولًا من المعنى الذي وضع له لغة إلى المعنى الثاني المصطلح عليه عرفًا بحيث يصبح هذا المعنى الثاني هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق والتجرد عن القرائن.
ويتكون هذا العرف من اتفاق الناس على هجران المعنى الأصلي وينتقل إلى المعنى الذي ينصرف إليه اللفظ بكثرة الاستعمال الشائع بينهم من غير قرينة حتى إن هذا الاستعمال يعتبر وضعًا جديدًا، وحقيقة عرفية حيث هو مستعمل فيما وضع له في عرف التخاطب وهذا ما عناه القرافي في فروقه في الفرق الثامن والعشرين بين العرف القولي والفعلي حيث يقول: العرف القولي أن تكون عادة أهل العرف يستعملون اللفظ في معنى معين ولم يكن ذلك لغة ونحن نرى أن لفظ الدينار كان يطلق في الأصل على عملة ذهبية مسكوكة بقيمة معينة محددة ووزن معين (وهو ٣.٦٠ جرامات وقد حدده بنك فيصل الإسلامي في السودان ٦.٤٥٧ جراما وهو الوسط المعقول ولا فرق بين الدينار والمثقال لكن الحنابلة ترى أن الدينار أصغر من المثقال) لكن هذا اللفظ هو الدينار إذا أطلق اليوم فإنما ينصرف إلى العملة الرائجة في البلد مهما كان نوعها ومهما كانت قيمتها وهي اليوم أوراق نقدية بعيدة كل البعد عن حقيقة الدينار الذهبي الأصلي.
وهذا معنى حقيقة عرفية أي جعله كثرة الاستعمال إذا أطلق اللفظ لا ينصرف إلا إليه، أما العرف العملي فهو الفعل الذي استمر الناس عليه بحسب الفطرة أو الاختصاص كاختصاص الرجل بالسلاح والمرأة بأدوات الزينة ونحوها، ثم كل من العرف القولي والعملي منه ما كان صحيحًا مقبولًا ومنه ما كان فاسدا مردودًا فأهل العرف إذا استعملوا قولًا في معنى من المعاني واشتهر ذلك بينهم بحيث إذا ذكر لا ينصرف إلا للمعنى المتعارف لديهم ككثير من مصطلحات أهل الصناعات – ومن العرف القولي ما هو عام كإطلاق لفظ الدينار، فإنه لا ينصرف إلا للعملة المتداولة بيننا، وهذا المعنى هو المتبادر للأذهان- أما ما كان في الأصل مما هو نقد ذهبي مسكوك موزون بوزن خاص لهذا المعنى قد تنوسي بكثرة الاستعمال في المتداول بين العموم وقد مثل له القرافي في الفرق الثامن والعشرين بالدابة التي وضعت لغة لكل ما يدب على الأرض ووقع نقلها للحمار بكثرة الاستعمال حتى صارت حقيقة عرفية عامة وبلفظ الغائط للنجو، ثم جعله قسمين ما يكون في المفردات كالدابة وما يكون في المركبات وهو أدق في الفهم وأبعد عن التفطن وضابطها أن يكون شأن الوضع العرفي تركيب لفظ مع لفظ يشتهر في العرف تركيبة مع غيره ومثل له بقوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} وقوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} .