إذ التحليل والتحريم ينصبان على الأفعال لا على الذوات كالأكل وفي الميتة والدم ولحم الخنزير والشرب للخمر والاستمتاع للأمهات والبنات.
وخرج على هذا قوله صلى الله عليه وسلم ((ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا)) ، ومعلوم أن الأعراض والأموال لا تحرم وإنما يحرم ما يضاف إليها كسفك الدماء وأكل الأموال وثلب الأعراض، وخرج على هذا جميع الأحكام التي أضيفت إلى الذوات أي كانت من باب المجاز العقلي وهو إسناد الفعل إلى غير من هو له يتول، قال: إن كثرة الاستعمال صيرته موضوعًا في العرف للتعبير عن تحريم الأفعال المضافة إلى هذه الذوات، ثم عطف على هذا القسم أفعالًا هي ليست بأحكام وإنما هي أخبار قد خصصها العرف كقولهم: أكلت رأسًا فقد صار لا يطلق إلا على رأس الأغنام وهو لغة يشمل كل رأس قال: ومن هذا القبيل ما اشتهر في مصر من قولهم: قتل زيد عمرًا يريدون ضربه، وفلان يعصر خمرًا وهي لا تعصر وإنما العنب الذي يعصر، فهذا ونحوه مجاز في التركيب بالنسبة للغة وحقيقة عرفية منقولة للمعنى الخاص بالعرف والعادة ومنه أيضًا طحن الدقيق وقتل فتيلًا، لأن المقتول لا يقتل المطحون لا يطحن إذ تحصيل الحاصل من المحال ولكنه كلام صحيح في العرف والعادة إذ لا يتصور إلا لقتل الحي وطحن الحب، وهذا ما يعبر عنه بالحقائق العرفية في المفردات والمركبات وبهذا يفرق بين المجاز في المفرد والمركب بين الحقيقة العرفية فيهما، ثم بين القرافي أن النقل العرفي مقدم على الموضوع اللغوي، لأنه نساخ له والناسخ مقدم على المنسوخ وهذا ما يعنونه قولهم: الحقائق العرفية مقدمة على الحقائق اللغوية.
ثم تكلم القرافي على العرف الفعلي مبينا أنه وضع اللفظ لمعنى يكثر استعمال أهل العرف لبعض أنواع ذلك المسمى دون بقية أنواعه كلفظ الثوب صادق على ما كان من الكتان أو القطن أو الحرير أو الوبر أو الشعر لكن أهل العرف استعملوه فيما كان من الأنواع الثلاثة الأول دون الأخيرين، فهذا عرف فعلي وكذلك لفظ الخبز يصدق لغة على خبز الفول والحمص والبر والشعير وغيرهما إلا أن العرف استعمله في البر لا غير من أغذيتهم فوقوع الفعل في نوع وانصراف المعنى إليه بخصوصه هو الحقيقة العرفية ولهذا قلنا ترك مباشرة المسميات لا يخل بالوضع اللغوي وغلبه استعمال لفظ المسمى في غيره ونقله يخل، وهذا هو تحرير العرف القولي وتحرير العرف الفعلي.