للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن الفروع التي وقع استناد القضاء فيها للعادة ما حكم به أحمد القلشاني قاضي الجماعة بتونس في ساقية أحدثت مدار بأبي عائشة واتصلت إلى شارع باب المنارة الذي تمر فيه فضلات مراحض دوره إلى أن تصل إلى الخندق المعد لذلك، وقد امتنع من الموافقة على أحداثها من تمر عليه وترافعا في ذلك فحكم بتمكين المحدث مما أحدثه بعد أن تذاكر في النازلة مع الشيخ عظوم فاستظهر الحكم بذلك معللًا بأن وضع الشوارع بتونس قد علم حين وضعها وتخطيط دورها عدم حفر آبار لفضلات أهلها، ووضعوا السواقي في شوارعهم لذلك، واستمروا على ذلك على تعدد الأزمنة والأعصر، وأهل كل زقاق قد دخلوا على ما وجدوا عليه من تقدمهم في ذلك والحادث عهده تبع لمن سبقه إلى زمن الواضع وعلى هذا مشت أحوالهم واستمرت قصودهم وأفعالهم وإذا دخل على ذلك المتقدم وجب إلحاق حكم الطارئ به إذ لا يملك الطارئ من الشارع إلا ما يملكه من خلفه هو فيه (١) .

ومن الفروع المبنية على العادة القضاء بشهادة الحيازة على الملك والحيازة لا تنقل الملك، ولكن تدل عليه وما ذكره القلشاني عن المازري من الشروط فمنشؤه تحقيق الحال التي تكون فيها الحيازة شاهدة للحاز بالملكية حيث ذكر لها شروطا سبعة هي وضع اليد على الشيء المجاز وأن ينسب إليه وأن يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه وأن تطول المدة وأن لا ينازع في تلك المدة وأن يكون المدعى للملكية على الحائز حاضرا عالمًا بالغًا رشيدا وأن لا يمنعه من القيام مانع، ولهذا لا تنفع الحيازة إلا مع ادعاء الحائز الملكية وجهل أصل مدخله أما إذا تحققنا أن مدخله كان بوجه لا يقتضي الملكية كالعارية والإسكان ونحوهما فلا تنفعه الحيازة ولو طالبت حيازته جدًا.

ولتحقيق حال الشهادة عرفًا للحائز قسم فقهاء المالكية الحائز إلى أجنبي وقريب غير شديد القرابة، وقريب جدا وإصهار وجعلوا مدة الحيازة في الأجنبي عشر سنين وفصلوا بين أن يكون شريكًا فاشترطوا فيه أن يكون التصرف يشمل الهدم والبناء الكثير والغرس في الدار والأرض والاستغلال في غيرهما واكتفوا في التصرف بمثل السكنى وزرع الأرض إذا كان غير شريك، وإذا كان قريبًا غير شديد القرابة كالإخوان والأعمام والأخوال وأبنائهم وفي معناهم الأصهار والموالي، فإذا كان التصرف ضعيفًا كسكنى الدار وزراعة الأرض وعمارة الحانوت فلا تقبل دعوى الحائز للملكية لما حاز إلا مع طول المدة جدًا وهو ما زاد على أربعين سنة إن لم تكن بينهم عداوة وإلا كفى في حيازتهم عشر سنين كالأبعدين وإذا كان التصرف قويًا جدًا كالتفويت بالبيع والهبة والصدقة لم تشترط مدة، بل السكوت يوجب انقطاع الحق بانقضاء المجلس وإذا كان الحائز قريبًا جدًا كالأب مع أبنه أو العكس فلا يعتبر التصرف بمثل السكنى والازدراع ويعتبر بمثل التفويت بالبيع ونحوه واختلف هل يجوز كل منهما على صاحبه بالهدم والبنيان والغرس على قولين: قيل لا يجوز عليه بذلك إن ادعاه ملكًا لنفسه قال عليه في حياته أو بعد وفاته وهو قول مالك وقيل يجوز إن طال الأمد جدًا إلى ما تهلك فيه البينات وينقطع فيه العلم وهو قول ابن رشد والاختلاف في مقدار المدة المؤثرة ونوع التصرف المعتبر باختلاف صفة الحائز ودرجة قرابته، لأن العادة قاضية بالتسامح مع الأقارب ووصل رحمهم بمثل سكنى الدار والزرع للأرض والاعتمار للحانوت بخلاف التصرف بما هو أقوى من ذلك ولو قال القائم على الحائز ما علمت حتى الآن فقيل: لا يقبل قوله، وهو ما أفتى به ابن عرفة وأبو مهدي عيسى الغبريني وبفتواهما جرى العمل على ما حكاه الرصاع ونقله عظوم في البرنامج، وقيل يقبل قوله بيمينه وهو قول ابن سهل وغيره، وبه أفتى الرزلي فأدخل مشقة عظيمة على أهل القيروان إذ كثير من الناس يزهد في عقود أشرية البائع فيقوم على المشتري بعد طول، ويقول لا علم عندي إلا الآن وربما يضيع عقد الأصل. وفي الوثائق المجوعة لو قال: علمت بحقي ولم أجد ما أقوم به إلا الآن، قال العبريني: يقبل قوله سواء كانت البينة استرعاء أو غيره، وقال ابن ناجى: الصواب عندي أنه لا يقبل منه، لأنه كالمعترف بأن لا حق له مدعٍ رفعه، وإذا كان لا يقبل قوله في عدم علمه بحقه بأحرى أن لا يقبل مع اعترافه بعلمه وادعائه أنه لم يجد ما يقوم به.


(١) قال الشيخ عظوم في الدكانة، الورقة ٤٨

<<  <  ج: ص:  >  >>