وبما نقلنا ندرك كيف توسع المذهب المالكي في الأخذ بالعرف واعتباره له أصلًا أصيلًا في بناء الأحكام عليه وتطبيقها على الحوادث والجزئيات كلما لم يوجد نص من الشارع، بل قد غالى بعضهم في اعتباره حتى قال: إن قطع العوائد المباحة قد يوقع في المحرمات سنن المهتدين: ص ٤٨.
الأحكام تدور مع العوائد:
ولقد نبه العلماء الأجلاء إلى وجوب الاعتماد على العوائد عند عدم النقل والى وجوب أن تدور الأحكام مع العوائد وليس من المعقول أن يلبس العرف لباس الديمومة أو القداسة، بل الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها حيثما دارت وتبطل معها إذا بطلت، ذلك أن الأقضية والفتاوى تتبع العوائد حسب عرف ذلك الزمان والمكان وأهله قال القرافي: إن كل ما هو في الشريعة يتبع الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة والجمود على ما كان في الكتب ضلال وإضلال (١) ، وقد نظم الإغلالى هذه القاعدة فقال:
وكل ما يبنى على العرف يدور معه وجودًا وعدمًا دور البذور فما اقتضته عادة تجددت، تعين الحكم به إذا بدت، وفي لامية الزقاق: وكن ذا تأنٍّ عارفًا بعوائد وأحدث قضاء للبجود كما ترى. وفي قواعد المقري: كل حكم رتب على عادة فإنه ينتقل بانتقالها إجماعًا (٢) ، فالمذهب المالكي توسع كثيرًا في الاعتماد عليه وبناء الأحكام حسب مقتضاه، بل هو أصل يرجع إليه الفقيه والقاضي والمفتي في معرفة الأحكام الشريعة التي لا نص فيها، بل هو طريق لمعرفة المدعي من المدعى عليه، فقد ذكر الشيخ الوالد رحمه الله محمد العزيز جعيط في كتابه الطريقة المرضية والإجراءات الشرعية وما جرى به العمل في الأقطار التونسية على مذهب السادة المالكية في الفصل الثالث في المدعي والمدعى عليه في التفرقة بينهما وتمييز المدعى من المدعى عليه إلى أن قال بعد كلام وأقربها أن المدعي من تجرد قوله من أصل أو عرف والمدعى عليه من أعضده، أحدهما، فإن شهد لأحدهما الأصل وللآخر العرف كان من شهد له العرف هو المدعى عليه، ثم قال ولدقة تحقيق المناطق وتطبيق القواعد جزئيتها صعب أمر القضاء وكان علم القضاء أخص من فقه القضاء، ولقد استعرض الفقهاء جملة من الأصول في بعض الأشياء واختلفت الفتاوى والأحكام لاختلاف الأعراف المبنية عليها وساق جملة مما ذكروه ومثل لها حتى تكسب الناظر بصيرة، فقال: قالوا: الأصل براءة الذمة قبل تحقق عمارتها، فإذا تحققت عمارتها فالأصل الاستصحاب، إن استصحاب تلك الحالة حتى يتحقق الرافع والأصل الصحة وزاعم المرض مدع خلاف الأصل فعلية البينة، لأنها مدعية خلاف الأصل والأصل عدم العداء، فلو ادعى على الطبيب العمد فيما زاد على المأذون فيه وادعى الطبيب الخطأ.
(١) الأحكام، للعراقي: ص ٢٧؛ والتبصرة: ٢ /٦٧ (٢) القاعدة رقم ١٠٣٧