ويقول المقري: كل متكلم له عرف فإن لفظه يحمل على عرفه في الشرعيات والمعاملات والإقرارات وسائر التصرفات (١) .ويقول أيضا: من تقررت له عادة عمل عليها (٢) ولهذه الاعتبارات استحبوا في القاضي أن يكون بلديًا عالمًا بأعراف الناس مطلعًا على أحوال المتقاضين وعاداتهم حتى يقضي بين الناس طبقا لما جرت عليه عاداتهم وتصرفاتهم التي اعتادوها في حياتهم اليومية وفي أسواقهم ومجتمعاتهم، حتى يكون أقرب إلى الحق في أحكامه مطابقًا لمصلحتهم جاريًا على أعرافهم.
نقل الونشريسي في المعيار عن ابن منظور القيسي الإشبيلي قال ينبغى عندي للمشاور (أي المستشار) في المسألة أن يحضر عند ذلك أمورًا يبني عليها فتواه ويجعلها أصلًا يرجع إليه أبدًا فيما يستحضره في ذلك منها مراعاة العوائد في أحوال الناس وأقوالهم وأزمانهم لتجري الأحكام عليها من النصوص المنقولة عن الأئمة. ولهذه المراعاة جرى على ألسنة العلماء وكثير من المواضع المنقول فيها اختلافهم أن يقولوا هذا خلاف في حال لا في مقال، وقد نقل بعض الناس الإجماع على مراعاة ذلك، وأن الفتاوي تختلف عند اختلاف العوائد ولا يجوز طرحها مع اختلافها، ومنها مراعاة قول بعض أئمة السلف لو أدركت الناس إلى الكوعين وأنا أقرؤها إلى المرفقين لتوضأت إلى الكوعين. يشير بذلك إلى الحث على الاقتداء بمن تقدم في فعله وطريقته (٣)
ولقد قيل للشيخ ابن عبد السلام قاضي الجماعة بتونس إن القوم امتنعوا من توليتك القضاء لأنك شديد في الحكم قال لهم: أنا أعرف العوائد وأمشيها (٤) ولا شك أن القاضي كلما تمكن من معرفة عادة البلد الذي يحكمه كلما سهل عليه تطبيق الأحكام ويحق ما تعارفه الناس واعتادوه، لأن معرفته لعاداتهم وتقاليده يمكنه من معرفة مشاكلهم ودوافع نوازلها وهذا ما أوضحه الشاطبي في موافقاته من أن على القاضي أن يلاحظ العرف الجاري بين الناس وأن لا يجمد مع الروايات ويقطع النظر عن العادات؛ إذ أن الجمود على النصوص لا يليق بالقاضي وأن عليه أن يعتبر العوائد وإن ذلك من الضرورات (٥) ذلك أن العرف والعادة أحد الدعائم الخمسة التي بني عليها الفقه والتي هي: اليقين لا يرفع بالشك، والضرر يزال، والأمور بمقاصدها، والمشقة تجلب التيسير، والعرف فهو من الدعائم التي استندوا إليها في معرفة أسباب الأحكام من الصفات الإضافية كالصغر والكبر والكثرة والقلة في الأقوال والأفعال والصلاة، وثمن المثل في البيع والتعدي ومهر المثل والكفء في النكاح وتعيين الفروض من المؤونة والكسوة والسكن في النفقات كما استندوا إلى العرف في مقادير الحيض والطهر والصلاة والعدد وأقصى أمد الحمل في النسب واستندوا إليه في فهم الألفاظ في الأيمان والوقف والوصية والطلاق إلى غير ذلك (٦) .
(١) قواعد المقري، القاعدة: ٤٥٩. (٢) قواعد المقري، القاعدة: ١١٧ (٣) المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل أفريقية والأندلس والمغرب، للعلامة الونشريسي: ٨ / ٢٨٧. (٤) شرح الزرقانية، لسيدي عمر الفاسي: ص ٢٤٨. (٥) الموافقات، للشاطبي: ٢ / ٢٨٧ (٦) شرح المنجور للمنهج المنتخب: ص ٩٠