والفرق بين القول الراجح والمشهور، أن الراجح ما قوي دليله والمشهور ما كثر قائله، وإذا تعارض الراجح والمشهور قدم الراجح ومقابل المشهور هو الشاذ، وقد ذكر الشيخ عبد القادر الفاسي أن القاضي إذا حكم بالشاذ لا يلتفت لحكمه ولا يعتد به وحمل حكمه على سبيل الغلط والجهالة معللًا ذلك بأنه لا يفعل ذلك إلا من كان له غرض فاسد من اتباع الهوى والميل إلى المحكوم له إلا إذا جرى به العمل فإن ما جرى به العمل مقدم على المشهور لأن وجوب العمل بالمشهور مقيد بما لم يجر عمل بمقابله، وإلا فهو المقدم وقد نظم ذلك أبو زيد الفاسي، فقال:
وما به العمل دون المشهور
مقدم في الأخذ غير مهجور
الفرق بين ما جرى به العمل وبين العرف:
معنى قولهم به العمل أو العمل به، معناه أن القول حكمت به الأئمة واستمر حكمهم به، أما جريان العرف بالشيء فمعناه عمل العامة من غير استناد لحكم من قول أو فعل ولقد اعترض الشيخ علي الأجهوري في باب الفلس على التاتائي إذا اقتضى كلامه أن رجحان العمل بالشيء هو جريان العرف به، قال العلامة السجستاني في نوازله: بعد أن وجه العمل في مسألة ذكرها، فإذا اتضح لك توجيه ما جرى به العمل لزم إجراء الأحكام عليه لأن مخالفة ما جرى فتنة وفساد كبير حتى قال بعض العلماء: إن خروج القاضي عن عمل بلده ريبة قادحة في حكمه فيجب حينئذ أن يقتصر من العمل على ما ثبت ويسلك المشهور فيما سواه (١) .
ولقد نبه الشيخ ميارة في شرحه على لامية الزقاق أنه لا بد لجريان العمل من أمور ثلاثة: أن يكون العمل صدر من العلماء المقتدي بهم، ثانيًا: أن يكون جاريًا على قوانين الشرع ولو كان شاذا. ثالثًا: أن يثبت بشهادة العدول المتثبتين.
ولقد راعوا عرف المتكلم في جميع الأحوال سواء تعلق الأمر بالأفعال الشرعية من معاملات وإقرارات أو الأفعال العادية من ألفاظ وغيرها من سائر التصرفات حتى قال القرافي في تنقيحه في الكلام على تخصيص العموم بالعادة، فكل من له عرف وعادة في لفظ، إنما يحمل لفظه في عرفه. فإن قارنت العوائد نصًا شرعيًّا خصصتهما وإن قارنت ألفاظ الأيمان والعقود خصصتهما إلا إذا دجل دليل على أن العموم جاء لشمول تلك الألفاظ بالحكم كما في قوله صلى الله عليه وسلم: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل بعد تعودهم اشتراط الولاء لمن اعتق (٢) .
(١) حاشية الشيخ المهدي: ١ / ٦٨ (٢) التنقيح، للقرافي بحاشية ابن عاشور: ص ٢٤٨.