للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والعرف ما يعرف بين الناس: ومثله العادة دون بأس ومقتضاهما معًا مشروع: في غير ما خالفه مشروع.

ومما خصصوا بالعرف قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} (١) فقد ذكر القرطبي في المسألة الثالثة من تفسير الآية قال: اختلف الناس في الرضاع، هل هو حق للأم أم هو حق عليها، واللفظ محتمل لأنه لو أراد التصريح بكونه عليها لقال: وعلى الوالدات رضاع أولادهن، كما قال تعالى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} ، ولكن هو عليها في حال الزوجية وهو عرف يلزم إذ قد صار كالشرط إلا أن تكون شريفة ذات ترفه فعرفها أن لا ترضع وذلك كالشرط وعليها إن لم يقبل الولد غيرها واجب وهو عليها إذا عدم لاختصاصها به

وقد ذكر الونشريسي أن من أصول الشريعة عند مالك تنزيل العقود المطلقة على العوائد المتعارفة وهذا يتماشى مع ما كنا نقلناه عن المقري في قواعده من أن العادة عند مالك كالشرط تقيد المطلق، وتخصص العام ولقد رجحوا به الأقوال الضعيفة والشاذة، وهو عند المحققين من المالكية من أعظم المرجحات، وقد نقل الشيخ المهدي أن ابن عتاب، وابن رشد وابن سهل، وابن زرب، وابن العربي، واللخمي ونظراءهم لهم اختيارات وتصحيحات لبعض الروايات والأقوال عدلوا فيها عن المشهور وجرى فيها باختيارهم عمل الحكام تطبيقًا لقاعدة العادة محكمة ومثل ذلك الفتوى وذلك لما تقتضيه المصلحة وجرى به العرف (٢) .

قال الأغلالي في منظومته: ورجحوا بالعرف وهو أقوى من سائر المرجحات (٣) والأحكام تحرر مع العرف والعادة، قاله القرافي في قواعده وابن رشيد في رحلته وغيرهما من الشيوخ حتى إنه لا يعتبر من أحكام القضاة في هذا الزمان إلا ما وافق المشهور، أو الراجح، أو ما به العمل على ما ذكره الشيخ التاودي بن سودة المزي في شرحه على تحفة ابن عاصم (٤) ، حيث يقول: وهو الحق الذي لا شك فيه، ونحوه قوله في أجوبته: وهو الحق المتعين الذي لا محيد فيه، ومثله للشيخ السنوسي، والعقباني، والبرزلي، وابن عرفة، وغيرهم نقل هذا الشيخ الرهوني في حاشيته على الزرقاني.


(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٣
(٢) حاشية المهدي على التحفة، للتاودي: ١ /٦٩
(٣) منظومة الأغلالي فيما تجب به الفتوى – مخطوط -
(٤) شرح التاودي بحاشية المهدي ١ /٦٨

<<  <  ج: ص:  >  >>