للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي شرح الأشباه للبيري، قال المشرع: الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي. وفي المبسوط الثابت بالعرف كالثابت بالنص ومن ابن عابدين والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار. قال ابن عابدين: لما شرحت أرجوزتي التي أسميتها عقود رسم المفتي ووصلت في شرحها إلى هذا البيت أردت إفراد الكلام على البيت برسالة مستقلة تظهر المقصود إلى العيان لأني لم أرَ من أعطى هذا المقام حقه ولا من بذلك له في البيان مستحقه. وسميت هذه الرسالة نشر العرف في بيان بعض الأحكام على العرف. ومما يوضح هذه الحقيقة فتوى محمد بن الحسن الشيباني في جواز بيع النحل ودود القز حيث وجد الناس يتعاملون بذلك بيعا وشراء، وكان يذهب إلى الصباغين يسأل عن معاملاتهم وما تعورف بينهم وما جرت عليه عاداتهم، ليلاحظ ذلك في فتاويه ومما يحدث بينهم. وقد ذهب أبو يوسف صاحب أبي حنيفة إلى أن الحكم الشرعي الذي يثبت بالنص بناء على عرف الناس يتغير بتغير العرف كوجوب المماثلة كيلًا في بيع القمح بالقمح، ولقد صحح الحنفية ما تعارف عليه الناس مما ورد النهي عنه كبيع وشرط فصححوا الشروط مبينين بأن النهي لم يكن إلا لأن الشرط في عقد البيع يفضي إلى النزاع غالبًا والعرف يقضي على هذا النزاع، ويقول شمس الأئمة السرخسي: أن الثابت بالعرف ثابت بدليل والرأي الذي يرى أن العرف يتحقق بتكرره مرتين يوافق مذهب المالكية في ثبوت العادة (١) .

والرأي الثاني أي من يرى أن العادة لا تثبت إلا بتكرر الأمر ثلاثًا يوافق ما ذهب إليه بعض الشافعية، وقد حكى جلال الدين السيوطي الخلاف بين فقهاء الشافعية في أن العادة تتحقق بتكرر الفعل مرتين أو ثلاث ورجح أبو حامد الغزالي من الشافعية القول الثاني (٢) .


(١) مواهب الجيل: إن واظب على ترك المسنون وعلى فعل المكروه فهو الذي يؤدب ويجرح ومن كان منه ذلك مرة لم يؤدب: ٦ /٣٢٠.
(٢) الأشباه والنظائر، للسيوطي: ص ٦٤

<<  <  ج: ص:  >  >>