وقوله: إن هذا الدين يسر وليس بالعسر، وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن:((يسرا ولا تعسرا)) ، وقوله صلى الله عليه وسلم ((وإنما بعثتم مبشرين)) ، فمثل هذا الاستقراء يخول للباحث عن مقاصد الشريعة أن يقول: إن مقاصد الشريعة التيسير، لأن الأدلة المستنبطة في ذلك كلها عمومات متكررة وكلها قطعية النسبة إلى الشارع لأنها من القرآن وهو قطعي المتن ومثلها المقاصد الظنية القريبة من القطعي على ما قاله الشاطبي في المسألة الثانية من الطرف الأول من كتاب الأدلة (الدليل الظني) إما أن يرجع إلى أصل قطعي مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار)) فإنه داخل تحت أصل قطعي في هذا المعنى فإن الضرر والضرار مثبوت منعه في الشريعة كلها في وقائع وجزئيات وقواعد كليات كقوله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا}[سورة البقرة: الآية ٢٣١] .
ومنها النهي عن التعدي على النفوس والأموال والأعراض وعن الغصب والظلم، وكل ما هو في المعنى إضرار وضرار، ويدخل تحته الجناية على النفس أو العقل، أو النسل، أو المال، فهو معنى في غاية العموم في الشريعة لا مراء فيه ولا شك (١) .
وبوجه عام، فالتابعون اتبعوا ما ترمي إليه الشريعة وتقصده من تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وجروا على ما تقتضيه الشريعة من رفع الحرج والتيسير وعدم التعسير الذي يستلزم اعتماد العادات والتقاليد التي لا تتضارب ومقاصد هذه الشريعة، وهكذا أصبح العرف في الفقه الإسلامي معتبرًا تبنى عليه الأحكام بل أصبح في نظر الفقهاء دليلًا شرعيًّا كافيا في ثبوت الأحكام الإلزامية إذا لم يكن دليل سوها.
موقف أئمة المذاهب من العادة والعرف
لقد تأثر أئمة المذاهب بما تأثر به من قبلهم من الصحابة والتابعين، فكان لوسطهم الذي عاشوا فيه تأثير عميق لا ستنباطهم للأحكام وارتباط واضح في تأثرهم بعادات مجتمعهم وتقاليده، وقد زاد المعنى وضوحا بالنسبة للفقهاء المقلدين، حيث كانوا أكثر تحكيمهًا للعرف والعادة ممن سبقهم لما شهدوا من الحوادث والنوازل الطارئة ما لم يشهده السابقون، فما من مذهب من المذاهب إلا وقد حكم العرف وجعله مصدرًا للتشريع، يقول القرافي: نقل عن مذهبنا أن من خواصه اعتبار العادات والمصالح المرسلة وسد الذرائع، وليس كذلك أما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك (٢) .
ويؤيد كلام القرافي النظر في كتب المذاهب الفقهية، فالحنفية اعتبروا العرف وجعلوه أصلًا من الأصول يرجع إليه عند فقد غيره، قال ابن نجيم: واعلم أن العادة والعرف يرجع إليه الفقه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلًا، فقالوا في الأصول، في باب ما تترك به الحقيقة، تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة (٣)
(١) مقاصد الشريعة الإسلامية، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور: ص ٤٠ – ٤٢ (٢) شرح تنقيح الفصول: ص ٧٦ (٣) الأشباه والنظائر، لابن نجيم: ص ٩٣ (تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل) ط. الحبلي