وفي كتاب نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج من الفروع الفقهية في المذهب الشافعى ما يوضح كثرة الفروع الفقهية التي بنيت على العرف ومذهب الشافعية (١) .
وحتى الحنابلة الذين عرف عنهم التشبث بالنصوص، فقد حكموا العرف في كثير من الفروع، وقد استدل ابن قدامه بالعرف في قضايا عديدة كتقدير النفقات الواردة في قوله تعالى:{إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ} . قال ابن قدامة: وهذا قد أطعمهم من أوسط ما يطعم أهله، فوجب أن يجزئه، روى الإمام أحمد في كتاب التفسير بإسناده عن ابن عمر ليس أوسط ما تطعمون أهليكم، قال: الخبز واللبن، وفي رواية عنه الخبز والتمر، والخبز والزيت، والخبز والسمن، وقال أبو رزين: من أوسط ما تطعمون خبز وزيت، وقال الأسود بن يزيد: الخبز والتمر، ثم نقل عن ابن سيرين، قال: كانوا يقولون أفضله الخبز واللحم، وأوسطه الخبز والسمن، وأخسه الخبز والتمر (٢) .
وذكر ابن رجب الحنبلي في قواعده القاعدة الثانية والعشرون بعد المائة إلى أن قال: ومنها لو استأجر أجيرًا يعمل له مدة معينة حمل على ما جرت العادة بالعمل فيه من الزمان دون غيره بغير خلاف، ومنها لو حلف لا يأكل من هذه الشجرة اختصت يمينه بما يؤكل منها عادة، وهو التمر دون ما لا يؤكل عادة كالورق والخشب (٣) .
وقد بين ابن القيم الجوزية في كتابه إعلام الموقعين، أن الشرط العرفي كالشرط اللفظي، وأن الفتوى تتغير بتغير الأزمنة والأحوال، ولقد ندد ابن القيم بإهمال قصد المتكلم ونيته وعرفه، واعتبر أن ذلك جناية على الإنسان وعلى الشريعة (٤) .
ومثل هؤلاء الأئمة الإمام الأوزاعي، اعتبر العرف مرجعًا لبناء الأحكام، فمن تتبع الفروع الفقهية لمذهبه يدرك أنه كان فيما يعتمد عليه من الأدلة المختلف فيها العرف فقد اعتمد عليه في مسألة أقل الحيض حيث لم يرد دليل على تقدير أقله لا شرعًا ولا لغة (٥) ، بل حتى الشيعة حكموه في بعض القضايا، فقد نصوا على أن العرف يحتاج إليه وتقويم المسروق إن لم يكن من النقود فما رآه العرف يساوي ربع دينار، فما زاد يجب فيه القطع، وما لا فلا يكون معه القطع والمذهب الجعفري، وإن لم يعتبر العرف من الأدلة الشرعية لكنه اعتبره في تفسير الدليل اللازم حمله على المعنى العرفي وهم لم يختلفوا في الأخذ به، وإن اختلفوا في العدد الذي تحصل به العادة أهو اثنان أو ثلاثة (٦)
(١) نهاية المحتاج: ٧ / ٤٠ – ١٠٩ – ١٣٤ – ١٥٦- ١٧٦ – ١٩٠ (٢) المغني، لابن قدامة: ٨ /٧٣٦ – ٧٣٧ (٣) القواعد، لابن رجب الحنبلي: ص ٢٧٧ (٤) إعلام الموقعين عن رب العالمين: ٣ / إلى ٥٠. (٥) الإمام الأوزاعي ومنهجه كما يبدو في فقهه: ص ٣٢٧ (٦) التشريع الجنائي الإسلامي: ص ١٢٤، و ٣٠٩، و ٣١٠.