ولقد توسع التابعون في الأخذ بالعرف وتحكيمه وبناء الأحكام عليه حيث وجدوا لأنفسهم في الاعتماد عليه سندا من عمل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده، فلقد أدركوا في زمانهم أشياء لم تكن زمن الصحابة، واعترضتهم حوادث لم تحدث زمن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، حيث كثرت الفتوحات في عهدهم وتوسعت رقعة الإسلام ودخلت أقطار كثيرة تحت رايته. ودخل في دين الله كثير من الناس من بلدان متعددة وأقطار متباعدة لكل عادتهم وتقاليدهم وأعرافهم جعل التابعين يعيرون اهتمامًا زائدًا بما تعارفه الناس في أقطارهم، وجرت عليه عاداتهم، وقد بلغت الفتوحات الإسلامية إلى أقصى البلاد شرقًا وغربًا، وبلغت السلطة الإسلامية أوجها في اتساع رقعتها التي شملت أقطارًا كثيرة وبلدانًا متقاصية اختلفت قوانينها وأخلاقها وعاداتها، ولما نزل التابعون بهذه البلدان قضاة وحكامًا ومفتين وواجهوا هذه العادات على تباينها وجهلهم بها فكان لزامًا أن يعلموا بما تقتضيه قواعد الشريعة ومقاصدها حتى لا يعطوا هذه العادات أحكامها ويثبتوا ما هو صالح منها فيبقوه ويقروه، وما كان فيه عوج فيهذبوه، وما كان فسادًا فيبطله اقتداء بسيرته صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه، لقد تأثر التابعون بالوسط الذي حلوا فيه ونظروا إلى عادات الناس التي كانت تكتفهم وتحيط بهم، وعلموا أن الأحكام التي أنزل الله إنما هي لمصالح عبادة إذ هو غني عن العالمين، وأدركوا المرونة التي في هذه الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وتفهموا مدى تأثر الأحكام المبنية على العادات المتأصلة في الناس وتأثر المبيئات بها. فلو لم تجرِ الأحكام على مقتضاها مما لا تخالف نصًّا، ولا مبدأ من مباديها، ولا مقصدا لأصاب الناس الضيق والحرج ولصارت الشريعة معاكسة للغرض الذي بنيت عليه، وقد ذكرنا فيما سبق أنها بنيت على أسس ثلاث من بينها رفع الحرج، وهو مقصد قطعي من مقاصد الشريعة يثبت قطعية، ما ورد من الآيات القرآنية في إثبات التيسير وعدم التعسير كقوله تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}(١) .
فهذا التأكيد الحاصل بقوله:{وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} بعد قوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} ، قد جعل دلالة الآية قريب من النص، ويضم إليه قوله تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}(٢)
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٥ (٢) سورة الحج: الآية ٧٨.