للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

موقف الصحابة من العرف:

لقد أخذ به الصحابة وحكموه في كل ما لا يصادم نصًّا، ولا يتعارض مع مقصد من مقاصد الشريعة ومبادئها، ولقد أقرت الصحابة في فتوحاتهم لمصر، والشام، ورومان البربر أقروهم على عوائدهم الصالحة وألغوا ما كان فاسدًا، وقد أثبت التاريخ أن لهذه الأمم من العادات والتقاليد ما يمثل مظهرًا من مظاهر حياتهم فدخلت هذه الأعراف، والعادات والتقاليد وأصبحت من العادات الإسلامية كما أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاد العربية، وأصبحت بعد ذلك من العادات الإسلامية المبنية على السنة النبوية، ولقد اهتدى الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون على عادات لم يعرفوها من قبل فنظموها على هدي الكتاب العزيز والسنة النبوية والمقاصد الإسلامية حتى دخلت في التشريع الإسلامي من إجماع المجتهدين أو من بقية الأدلة، كالاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع، وقد فعلوا ذلك تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا دوَّنَ عمر رضي الله عنه الدواوين، وهي عادة فارسية ونظَّم ديوان الجيش وقرَّر الخراج والجبايات، وأبقاها على ما كانت عليه قبل الإسلام بالفارسية في العراق، وبالرومية في الشام ولم يغير من ذلك شيئًا ولم يتغير ذلك إلا بعد ما جاءت دولة الأمويين وذلك في عهد عبد الملك بن مروان، واستحالت الخلافة إلى ملك، وانتقل القوم من غضاضه البداوة إلى رونق الحضارة ومن سذاجة الأمية إلى حذق الكتابة وظهر في العرب ومواليهم مهرة في الكتاب والحسبان، فأمر عبد الملك بن سلمان بن سعد والي الأردن لعهده أنه ينقل ديوان الشام إلى العربية فأكمله لسنة من يوم ابتدائه، ووقف عليه سرحون كاتب عبد الملك فقال لكاتب الروم: اطلبوا العيش وغيره هذه الصناعة، فقد قطعها الله عليكم. أما ديوان العراق فأمر الحجاج كاتبه صالح بن عبد الرحمن، وكان يكتب بالعربية والفارسية، ولقن ذلك عن زيدان فروخ كاتب الحجاج قبله، ولما قتل زيدان في حرب عبد الرحمن بن الأشعث استخلف الحجاج صالحًا هذا مكانه، وأمره أن ينقل الديوان من الفارسية إلى العربية (١) .


(١) المقدمة، لابن خلدون من كتاب العبر، وديوان المتبدأ والخبر في أيام العرب والعجم: ١ /٢٠٥ – ٢٠٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>