للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي باب الصيام روى البخاري ومسلم، عن ابن عباس، قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ((ما هذا؟)) ، قالوا: هذا يوم صالح نجى الله تعالى موسى عليه السلام، وبني إسرائيل من عدوهم فصامه وأمر بصومه (١)

وكذلك كان الاعتكاف في الجاهلية من القربات، فجاء الإسلام به فقد أخرج البخاري ومسلم، عن ابن عمر أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال صلى الله عليه وسلم: ((فأوفِ بنذرك)) (٢) ، إن ما نقلناه يعطينا صورة واضحة جلية وموقف الإسلام من العادات، وإنه ليتضح من ورائها أن الشرع أقر كثيرًا مما كان عليه الناس في العهد الجاهلي مما هو صلاح وقيد بعضها وهذبها بما هي في حاجة إليه، وأبطل منها ما كان فاسدًا فلم تهدم الشريعة كل ما كان متعارفًا عند العرب في الجاهلية، بل أقر ما كان مسايرًا لمبادئ الإسلام ومقاصده مهتمًا اهتمامًا عظيمًا بالعادات والتقاليد مراعيًا العرف الصالح فيما يشرع من أحكام حتى يتقبلها الناس بصدر رحب والإنسان ابن ما تعود. ومن مبادئ هذه الشريعة رفع الحرج، إذ هو أساس من أسسها الثلاث التي بنيت عليه، وهو رفع الحرج وقلة التكليف والتدريج في التشريع، ولقد أوضح العلامة المقدس المبرور محمد الطاهر بن عاشور هذا المعنى في كتابه مقاصد الشريعة، بعد ما بين أن ليست الشريعة بنكاية فذكر أن مقصد الشريعة من التشريع تغيير وتقرير، فبين أن للتشريع مقامين: الأول: تغيير الأحوال الفاسدة وإعلان فسادها، وهذا المقام هو المشار إليه بقوله تعالى {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [سورة البقرة: الآية ٢٥٧] .

وقوله: {وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سورة المائدة: الآية ١٦] .

والتغيير قد يكون إلى أشد رعيًا لصالح العباد، وقد يكون إلى تخفيف إبطالًا لغلوهم كتغيير اعتداد المرأة المتوفى عنها زوجها من تربص سنة إلى تربص أربعة أشهر وعشر وكتغيير الحداد بتهذيبه من لبس المرأة شر الثياب ومكثها في الحفس (بيت صغير) وعدم التنظيف والتطبيب مدة سنة، فأبدل ذلك بعدم لبسها للمصبوغ إلا الأسود وعدم التطيب والاكتحال مدة أربعة أشهر وعشر. أما المقام الثاني: فهو تقرير ما كانوا عليه في الجاهلية من الأحوال الصالحة التي اتبعها الناس والمعبر عنها بالمعروف، ولقد توارث الناس من القدم كثيرًا من المصالح التي كانت من نصائح الآباء والمعلمين والمربين والأنبياء والمرسلين والحكام العادلين حتى رسخت في النفوس واستحسنها العقول كإغاثة الملهوف ودفع الصائل وحراسة القبيلة والمدينة، والتجمع في الأعياد واتخاذ الزوجة وكفالة الصغار وغيرها، مما فيه صلاح البشر قديمًا وحديثًا، ثم إن التقرير لا يحتاج إلى القول إلا إذا كان عن سبب دعا إلى القول من إبطال وهم أو جواب سؤال أو تحريض على فعل وما عدا ذلك يعتبر سكوت الشارع تقريرًا لما عليه الناس ولذلك كانت الإباحة أكثر أحكام الشريعة لأن أنواع متعلقها لا تنحصر ومن رحمة الشريعة أنها أبقت للأمم معتادها وأحوالها الخاصة إذا لم يكن فيها استرسال على الفساد (٣) ، وما جاء الإسلام إلا لإصلاح ما فسد من أحوال الناس، ولم يكن غايته هدم ما اعتاده الناس من العادات الصالحة التي تعارفوها قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل باحترام الشريعة للعرف، والعادة يكون قد شرعه للناس وأصبح مصدرًا من مصادر تشريعه.


(١) صحيح البخاري: ٨ /٤٤.
(٢) صحيح البخاري: ٣ /٤٨
(٣) مقاصد الشريعة الإسلامية ص ١٠٢ – ١٠٤، ط. ١.

<<  <  ج: ص:  >  >>