فالمعروف هنا ما حدده الشرع ووصفه العرف وتألفه النفوس ولا تستنكره، ومنها قوله تعالى في العفو من القصاص {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}(١) .
فاتباع بمعروف أي بما تألفه النفوس وتستحسنه في مجاري العادات ولا تشمئز منه وتستنكره، ومنها قوله تعالى: في الوصية للوالدين {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}(٢) ، أي بما ألفته العقول ولم تنكره النفوس وهو المحبوب المرضي سمي بذلك لكثرة تداوله بين الناس والتأنس به حتى صار معروفًا بين الناس معتادًا وهو العدل الذي لا يحصل منه تحاسد ولا تباغض بين الأقارب.
والجلباب ثوب أصفر من الرداء وأكبر من الخمار والقناع تضعه المرأة على رأسها، فيتدلى جانباه على ذراعها وينسدل سائره على كتفيها وظهرها تلبسه المرأة عند الخروج، ولا شك أن لباسه يختلف باختلاف أحوال النساء التي تبينها العادات والتقاليد، وما استشهدنا به من الآيات أوردناها لتؤكد على أن معناها يدور كله على العرف الذي يقضي به في المعاملات والعادات ما لم تكن مخالفة لنص من نصوص الشريعة والله عز وجل إنما يخاطب عباده بما يفقهونه إما بطريق النص مما جاء في الكتاب والسنة وما لم يرد فيه نص فيجري على ما تعارفه الناس واعتادوه، وكل هذه الآيات لتعزز آية الأعراف التي استدل بها الفقهاء على اعتبار العرف وهي حجة على ما أنكر الاستدلال به.
وأما من السنة فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحكيم بن حزام:((لا تبع ما ليس عندك)) ، فلما قدم المدينة وجد الناس يتعاملون بالسلم، وهو بيع ما ليس عند الإنسان، فأقرهم عليه بعد أن نظمه لهم مراعيًا في ذلك العرف ورفع الحرج فقال صلى الله عليه وسلم كما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس:((من أسلف فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم)) ، والأصل أن لا يصح التعاقد على معدوم كبيع قبل ظهوره لاحتمال عدم نباته، ولا على ماله خطر العدم، أي احتمال عدم الوجود كبيع الحمل في بطن أمه وكبيع اللبن في الضرع لاحتمال عدمه بكونه انتفاخًا وكبيع اللؤلؤ في الصدف، ولهذا ورد النهي عن بيع حبل الحلبة وهي المضامين ما في أصلاب الإبل والملاقيح، وهو ما في بطون النوق.
(١) سورة البقرة الآية ١٧٨ (٢) سورة البقرة الآية ١٨٠ (٣) سورة الأحزاب: الآية ٥٩