وقد استثنى الفقهاء من هذه القاعدة العامة في منبع التصرف بالمعدوم عقود السلم والإجارة والمساقاة والاستصناع مع عدم وجود المحل المعقود عليه حين إنشاء العقد استحسانًا ومراعاة للحاجة ورفعًا للحرج عن الناس لتعارفهم عليها وإقرار الشرع صحة السلم والإجارة والمساقاة نحوها، وإنما صحح الشرع بيع المعدوم وبعض المواضع وإن كان الأصل عدم ذلك، فذلك تخفيفًا ورفعًا للحرج واحتياج الناس لذلك، فلهذا أجاز بيع الثمر بعد بدو صلاحه والحب بعد اشتداده والعقد في هذه الحالة ورد على الموجود المعدوم الذي لم يخلق بعد ومما يدل على اعتبار العرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة:((إن هذا البلد حرام لا يعضد شوكه ولا يختلى خلاه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا لمعروف)) ، فقال العباس: إلا الإذخر وهو نبت طيب الرائحة، فإنه لا بد لهم منه فإنه للقبور والبيوت فقال صلى الله عليه وسلم:((إلا الإذخر)) فاستثناؤه صلى الله عليه وسلم الإذخر ما هو إلا مراعاة لعادة ألفوها ويعسر عليهم ترك عادتهم فرخص لهم في ذلك دفعًا للحرج. ومما يدل على مراعاة عرف الناس وعادتهم ما اتخذه الشرع من وضع الدية على العاقلة واشتراط الكفاءة في الزواج وبنائه على العصبية ومثله الإرث ومنه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة:((خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)) (١) ، أي حسب العادة والتقاليد كذلك ما في الصحيحين والموطأ من قوله صلى الله عليه وسلم:((لقد هممت أن أحرم الغيلة والرضاع لولا أن قومًا من فارس يفعلونها ولا تضر أطفالهم)) . ومن رحمة هذه الشريعة الغراء أن أبقت للأمم معتادها وأحوالها الخاصة بها إذا لم يكن فيها استرسال على فساد يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم ((أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية وأيما دار، أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام)) ، وفي صحيح البخاري باب ما أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيع والإجارة والمكيال والوزن، وسنتهم على نياتهم ومذاهبهم المشورة، قال ابن حجر: مقصود البخاري بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف وأنه يقضي به على ظواهر الألفاظ حتى أنه لو وكل رجل غيره في بيع سلعة فباع بغير النقد الذي عرف الناس لم يجز، وكذا لو باع موزونًا أو مكيلًا بغير الكيل، أو الوزن المعتاد (٢) .
ثم أضاف ابن حجر إن الرجوع إليه في كثير من الأشياء، كمقادير الأيام والحيض والطهر وأكثر مدة الحمل ومقدار سن اليأس، وإحياء الموات والإذن في الضيافة، ودخول بيت قريب، والأيمان، والوصايا، ومقادير المكائيل والموازين، فكل هذه المسائل مرجعها إلى العرف والعادة. وكل ما لم ينص الشارع عليه فيحمل على ما تعارفه الناس وتعامل به أهل تلك البلدة، قال ابن حجر: وهذا ما قصده البخاري من الترجمة، أي من إثبات الاعتماد على العرف والعادة (٣) .
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: ٧ / ٦٥ (٢) فتح الباري، شرح صحيح البخاري: ٤ /٢٧٦ (٣) فتح الباري، شرح صحيح البخاري: ٤ /٢٧٧