للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإذا أمعنا النظر في شريعتنا الغراء، وجدناها شريعة مستكملة الأحكام صالحة لكل زمان ومكان مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد في هذا العمران متسعة المجال صالحة لجميع الأقاليم والأجيال عقيدة حكم بصحتها العقل والنقل، وأن في اختلاف علمائها مما تختلف فيه الأقطار بما تقتضيه الأطوار في اختلاف الأمصار والأعصار لدليل على كمال توسعها وصلاحها، ومعلوم أن المأخذ متحد يعتمده كل معتمد فكالوادي إذا جرى إلى أراضٍ مختلفة فاختلف نباتها باختلاف جهاتها، فليس من اختلاف المياه، فالوارد من أواخر جداوله يستوي مع من ورد من منبعه ومصبه والماء واحد وإن اختلفت الموارد وهكذا شريعتنا، فهي متحدة الأصول وإن اختلفت في جزئياتها الفحول على أنها قد حافظت على ما لا يخالف أصولها من أحكام الشرائع السابقة حتى كان شرع من قبلنا شرعًا لنا ما لم يرد ناسخ، وصانت أيضًا ما لا ينقص أحكامها مما جرى به العرف والعوائد على أنه إن ذهبنا إلى أن آية الأعراف {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} .

وحديث: ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن لا يقوم بهما الاستدلال صراحة بخصوصهما، فمن الآيات والأدلة ما يقوي جانبهما مما لا يترك مجالًا إلى اعتبار العمل والعرف وأنهما أصل من الأصول التي انبنت عليه كثير من الأحكام. فمن الآيات قوله تعالى فيما يجب للزوجات على الأزواج من النفقات: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (١) .

فقد قيدت الإنفاق بما تعارفه الناس واعتادوه، وقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (٢) .

فقد صرحت الآية بأن الكسوة والرزق والإنفاق مرجعه إلى ما اعتاده الناس، وقوله تعالى {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} (٣) أي أمسكوهن بما عرف بين الناس من حسن المعاشرة من غير مضارة.

وقوله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} أي بعيشة حسنة رضية استقر عرف الناس عليها، وقوله تعالى في المطلقات: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ} (٤) وهو ما عرف في الشرع والعادة الموافقة له والاعتماد في ذلك على حال الزوج من الغنى والفقر والسعة والضيق، ومنها قوله تعالى في معاشرة الأزواج {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} (٥) .


(١) سورة البقرة: الآية ٢٢٨
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٢
(٣) سورة الطلاق: الآية ٢
(٤) سورة البقرة: الآية ٢٣٦
(٥) سورة النساء: الآية ١٩

<<  <  ج: ص:  >  >>