للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولقد استدل العلماء على الاحتجاج بالعرف من السنة بما أخرجه الإمام أحمد ومسنده. قال: حدثنا عبد الله حدثني أبي، حدثنا أبو بكر، حدثنا عاصم، عن زيد بن حبيش ,عن عبد الله بن مسعود قال: إن الله نظر في قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دنيه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيء (١) وجه الاستدلال أن ما رآه المسلمون مستحسنًا قد حكم بحسنة عند الله، فهو حق لا باطل فيه لأن الله لا يحكم بحسن ما هو باطل، فإذا كان العرف مما استحسنه المسلمون كان محكوما باعتباره، وقد انتقد هذا الدليل من حيث الثبوت والدلالة، أما من حيث الثبوت فقد نقل عن العلائي أنه لم يجده مرفوعًا في شيء من كتب الحديث أصلًا ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه موقوفًا عليه، قال: وأخرجه أحمد في مسنده وصرح الزيلعي بأن الحديث غريب مرفوع (٢)

وجزم ابن حزم بأن لا وجود للحديث في مسند صحيح، وإنما يعرف عن ابن مسعود (٣) ، وذكر الشيخ عبد الحي الكتاني أن هذا الحديث لا يصلح مبينًا أن ابن نجيم أخطأ في نسبته لأحمد في مسنده وإنما هو في كتاب السنة له، كما نص عليه السخاوي في المقاصد ثانيًا أن سياق كلام ابن مسعود يفيد أن المراد بالمسلمين الصحابة والمجتهدين، فالمراد بالمسلمين في الحديث المجتهدون لا عموم الناس يشده لذلك فعل ما رآه في الحديث لأن الرأي في عرف الصحابة هو ما يراه القلب بعد فكر وتأمل واجتهاد لوجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات ويدخل في ذلك ما يستنبط بطريق القياس والمصالح المرسلة وسد الذرائع، وهذا لا يمكن أن يكون إلا ممن بلغ درجة الاجتهاد وهو خواص الخواص وعلى تقدير أن " أل " في المسلمين للعموم، فهي تشمل جميع المسلمين أي المسلمين من أهل الحل والعقد إذ ما أجمعوا عليه يجب اتباعه لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة ولا تجتمع على خطأ)) فقوله: ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)) بهذا المعنى، وهذا ما صرح به علماء الأصول كالآمدي وغيره (٤) فقد قال الآمدي: وما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن إشارة إلى إجماع المسلمين، والإجماع حجة ولا يكون إلا عن دليل، وليس في الحديث دلالة على أن ما رآه آحاد المسلمين حسنًا، فهو حسن عند الله تعالى، ومثل هذا الكلام قال الشاطبي في كتابه الاعتصام على ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه إلى أن قال: وأما الدليل الثاني فلا حجة فيه من أوجه أحدها: أن ظاهره يدل على أن ما رآه المسلمون حسنًا، فهو حسن والأمة لا تجتمع على باطل فاجتماعهم على حسنه شرعًا، لأن الإجماع يتضمن دليلًا شرعيًّا، فالحديث دليل عليكم لا لكم، والثاني: أنه خبر واحد في مسألة قطعية فلا يسمع، والثالث: أنه إذا لم يرد به أهل الإجماع، وأريد بعضهم فيلزم عليه استحسان العامة، وهو باطل بإجماع (٥) .


(١) مسند الإمام أحمد ١ / ٣٧٩، ط. الميمنة.
(٢) الأشباه والنظائر، لابن نجيم: ص ٩٣؛ الأشباه والنظائر للسيوطي: ص ٦٣، نشر العرف في بناء الأحكام على العرف ,لابن عابدين ,مجموع رسائل ابن عابدين: ٢ /١١٥.
(٣) الإحكام في أصول الأحكام: ٢ /٧٥٩؛ الزيلعي: ٤ /١٣٣، وفي تمييز الطيب من الخبيث: ص١٤١، لابن الديبع أن الحديث رواه أحمد في كتاب السنة مصرحًا بحسنه، وقال ابن الديبع: إن الحديث أخرجه البراز والطيالسي وأبو نعيم في الحلية في ترجمة أبن مسعود
(٤) انظر الأحكام، لسيف الدين الآمدي: ٣ /١٣٨
(٥) الاعتصام، لابن إسحاق الشاطبي: ٢ /١٣٠-١٣١

<<  <  ج: ص:  >  >>