للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يقول الإمام الشاطبي: اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد ليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب لأن الشرع موضوع على أنه دائم أبدي لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية والتكليف كذلك لم يحتج في الشرع إلى مزيد وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها كما في البلوغ، فإذا بلغ وقع عليه التكليف، فسقوط التكليف قبل البلوغ ثم ثبوته بعده ليس باختلاف في الخطاب، وإنما وقع الاختلاف في العوائد أو في الشواهد ثم يقول في المسألة التالية العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعًا كانت شرعية في أصلها أو غير شرعية أي سواء كانت مقررة بالدليل شرعًا أمرًا ونهيًّا ,أو إذنًا أم لا، أما المقررة بالدليل فأمرها ظاهر، وأما غيرها فلا يستقيم إقامة التكليف إلا بذلك، ثم يقول بعد كلام ولما قطعنا بأن الشارع جاء باعتبار المصالح لزم القطع بأنه لا بد من اعتباره العوائد لأنه إذا كان التشريع على وزن واحد دل على جريان المصالح على ذلك لأن أصل التشريع سبب المصالح، وهو معنى اعتباره للعادات في التشريع (١) ، وقد قسم الشاطبي العوائد إلى عوائد عامة، لا تختلف بحسب الأعصار والأمصار والأحوال، والثاني: العوائد التي تختلف باختلاف الأعصار والأمصار والأحوال كهيئات اللباس والمسكن ونحوها. والأول: يقضي به على أهل الأعصار للقطع بأن مجاري سنة الله تعالى في خلقه على هذه السنن لا تتخلف بما يجري منها في الزمان الحاضر محكومًا به على الزمان الماضي والمستقبل أكانت العادة وجودية أو شرعية، والثاني: لا يصح أن يقضي به على ما تقدم حتى يقوم الدليل على الموافقة من الخارج فإذ ذاك يكون قضاء على ما مضى بذلك الدليل لا بمجرى العادة، وكذلك في المستقبل. والنوع الأول: راجع إلى عادة كلية أبدية وضعت عليها الدنيا وبها قامت مصالحها في الخلق وهذه العادة معلومة. أما النوع الثاني: فعادة جزئية داخلة تحت العادة الكلية، وهي التي يتعلق بها الظن لا العلم وهذه لا يصح أن يحكم بها لاحتمال التبدل والتخلف بخلاف الأولى، وهذه القاعدة محتاج إليها في القضاء فيجب على القاضي أن يكون عالمًا بما كان عليه الأولون لتكون حجة للآخرين، وهذه القاعدة يستعملها الأصوليين في البناء عليها ورد القضاء بالعلمية إليها (٢) .

ولشدة الارتباط بين العرف والعادة وتداخلهما جرت المالكية على الرأي الأول من أن العرف والعادة لفظان مترادفان (٣) .


(١) الموافقات للشاطبي: ٢ /١٨٠-١٨٤.
(٢) الموافقات، لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبى: ٢ /١٨٠- ١٨٤- ١٨٨
(٣) انظر العيار: ٣ /٢٣٨-٢٥٧؛ مقاصد الشريعة، لعلال الفاسي: ص ١٥١

<<  <  ج: ص:  >  >>