للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإذا كانت فوضى غير مقيدة بأصول وأحكام وفضائل ثابتة، ولا بد من شيء ثابت لا تختلف فيه المصالح والمنافع، ولهذا جاء الشرع العزيز بالعرف والمعروف. ولو اختلف الناس فيما يعرفون وما ينكرون فالناس على عاداتهم وتقاليدهم، وقد أحسن الجصاص إذ عرف العرف فقال: هو ما يستحسن في العقل فعله، ولا تنكره العقول الصحيحة وقد ذهب جماعة إلى أنه العرف والعادة مترادفان، فالعرف عندهم هو العادة، وهي غلبة معنى من المعاني على جميع البلاد، أو على بعضه وعرفها بعضهم بأنها الأمر المكرر من غير علاقة عقلية كتكرار حدوث الأثر مع المؤثر وتكرار المعلول عند وجود علته كسرعة البلوغ في البلاد الحارة وبطئه في البلاد الباردة، قال القرافي في تعريف العادة: إنها غلبة معنى من المعاني على الناس، وهو غير جامع لعدم اشتماله عادة الفرد، وقد عرفها بعضهم وقصرها على العادة العملية ولا وجه لما ذهب إليه لأن الفقهاء عمموا العادة في الأقوال والأعمال، وأدى تعريف لها ما عرف به ابن فرحون، حيث قال في تعريفها: غلبة معنى من المعاني على جميع البلاد أو بعضها، وقد عرف العرف بما استمر الناس عليه على حكم العقول، وعادوا إليه مرة بعد مرة وبتعريفه للعادة وتعريفه للعرف ندرك أنهما مترادفان، وهذا يؤيده وجه نظر أغلب الفقهاء والأصوليين لكن منهم من فرق بينهما، وجعلوا العادة أعم من العرف باعتبار أنها جنس يندرج تحته أنواع كثيرة من جملتها العرف، إذ العادة تشمل ما كان ناشئًا عن عامل طبيعي أو عن عادة فردية شخصية، أو عن عادة عامة بين الجمهور، وهو العرف، فكل عرف عادة وليس كل عادة عرفًا، وذهب بعضهم إلى أن العادة تختص بالأفعال، والعرف بالأقوال وفيه متكلم.

أما أهل القانون، فيفرقون بين العرف والعادة بأمور أولها: أن أحكام العرف تلزم الطرفين ولو كانا جاهلين في حين أن العادة لا تلزمهما إلا إذا قصد الإحالة عليها صراحة أو دلالة. ثانيهما: أن من يريد التمسك بالعادة فعليه أن يثبتها بخلاف العرف فلا يحتاج للإثبات لأنه مفروض فرضا ولهذا يتعين على القاضي معرفة ذلك حتى يميز بين الطالب والمطلوب. ثالثها: أنه لا يعتد بحكم الحاكم إذا خالف العرف التي نصت عليها القوانين العرفية، واصطلحت على تسمية الركن المعنوي بالعرف، وبركن الاعتقاد بلزوم العادة وهو ما يميز العادات التي أصبحت عرفًا من العادات التي لم تبلغ هذه المرتبة وما تزال في طور الاستعمال المتوارث دون التزام (١) .


(١) الإحكام في أصول الأحكام: ٢ /٧٥٩؛ مقاصد الشريعة، لعلال الفاسي: ص ١٥٢:

<<  <  ج: ص:  >  >>