للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما ما يتعلق بالأمور العامة من هذا القسم كالأحكام القضائية والسياسية، فينبغي أن ينظر أولو المر وأن يتشاوروا فيه من حيث تصحيح النقل، ومن حيث طريق الدلالة على الحكم، فإذا ظهر لهم ما يقتضي؛ إلحاقه بأحد الأقسام السابقة ألحقوه به فكان له حكمه وإلا كان كالمسكوت عنه.

القسم الرابع: ما ورد فيه نص غير وارد مورد التكليف كالأحاديث المتعلقة بالعادات من الأكل والشرب والطب ونحوها مما يسميه العلماء إرشادًا لا تشريعًا، وكذا ما كان من قبيل الفتاوي الشخصية فلم يعمل به الجمهور لعدم الأمر بتبليغه، فالأولى والأفضل للمسلم أن يعمل بها ما لم يمنعه من ذلك مانع من الشرع، والمصلحة أو المنفعة العامة أو الخاصة ذلك أن المبالغة في الاتباع حتى في العادات والتقاليد مما يقوي وحدة الأمة ويثبت الرابطة بين المسلمين ويقوي شوكتهم في أعين أعدائهم. نعم، لا ينبغي لحكام المسلمين في مثل هذا أن يجبروا أحدًا على الفعل أو الترك وإنما يحسن أن يكونوا قدوة صالحة في مثله.

القسم الخامس: ما سكت عنه الشرع فلم يرد عنه فيه ما يقتضي فعلًا، ولا ما يقتضي تركًا، وهذا هو الذي عفا الله عنه رحمة منه وتخفيفًا على عباده وليس لأحد أن يكلف أحدًا من عبيد الله يفعل شيئًا لم يأذن الله فيه وإن ما أمرنا الله به من طاعة الأمراء وأولي الأمر منا خاص بأمور الدنيا ومصالحها ومشروط بأن لا يكون في معصية الله كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان في الصحيحين وأبو دواد والنسائي عن على كرم الله وجهه: ولا طاعة لمخلوق في معصية الله، إنما الطاعة في معروف أما أمر الدين فقد تم واكتمل، فليس لأولي الأمر من المسلمين سلطان على أحد في أمر الدين المحض لا بزيادة على مدلل النص ولا بنقصان منها قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (١) .

ومن زاد أو نقص فقد جعل نفسه أو جعل شريكًا لله أو اتخذ ربًا من دون الله، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} (٢) .

ولما كانت طاعة أولي الأمر خاصة بأمور الدنيا ومصالحها كان حتمًا تحكيم العرف والمعروف فيما لا نص فيه إذ لا يستقيم نظام الأمة إلا على أساس ثابت.


(١) سورة الشورى: الآية ١٣.
(٢) سورة الشورى: الآية ٢١

<<  <  ج: ص:  >  >>