للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المبحث الثالث

تغير قيمة العملة بالغش فيها

يعتبر غش النقد بمعنى خلطه بغيره نوع تغيير لقيمة العملة سواء أكان غشا للدنانير أم الدراهم، وقد يكون من فعل الأفراد أو الدولة وتختلف نسبة الغش فيه بالنسبة للذهب أو الفضة. ولقد كان ضرب النقد مع غشه من الأفراد، أو الدولة ثم التعامل به قضية واقعة ومُقَرَّة في فترات كثيرة من التاريخ كما يفهم مما سبق.

ويبدو أن غش الدراهم والدنانير، وغيرها كالفلوس، كان متقدما في العهد. فيروي البلاذري عن عمرو الناقد: قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا يونس بن عبيد عن الحسن، قال: كان الناس وهم أهل كفر قد عرفوا موضوع هذا الدرهم من الناس فجودوه وأخلصوه، فلما صار إليكم غششتموه وأفسدتموه، ولقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: هممت أن أجعل الدراهم من جلود الإبل فقيل: إذا لا بعير فأمسك (١) .

ولقد شاعت أنواع كثيرة من النقد المغشوش، وما تكاد ناحية أو بلدة إلا ويشيع فيها نوع منها، فكان منها ما يسمى بالمبهرجة وهي: ما كان مقدار الفضة منها أقل وغشها أكثر، ولذا كان بعض التجار يردها، وبعضهم وهو المتساهل يقبلها، ومنها ما يطلق عليه الفقهاء: زيوفا وهي: المغشوشة غشا يتجوز في قبوله التجار، وكان بيت المال يردها. ومنها ما يسمى: الستوقة وهي: المغشوشة غشا زائدا (٢) ، ومنها العدالي منسوبة إلى العدل (٣) والغطارفة منسوبة إلى غطريف بن عطاء الكندي (٤) ، والدراهم البخارية وهي فلوس على صفة مخصوصة (٥) ، والطبرية واليزيدية وهما مما غلب غشه (٦) والمسببة وهي: دراهم يغلب فيها النحاس الفضة (٧) . والهروي وهو ذهب مغشوش (٨) وغيرها. وقد بنى الفقهاء أحكامهم في النقد المغشوش من حيث ضربه وتداوله على رواجه أو عدم رواجه، وعلى اعتبار الناس له واصطلاحهم عليه أو عدم اعتباره وعلى علم من يتعامل معه أو عدم علمه، وهذه كلها تأخذ عند إبداء الحكم صورة ضوابط للنقد المغشوش، وسينكشف رأي الفقهاء في النقد المغشوش عند معرفة أحكامهم الجزئية الفرعية في مسائله، وسنوضح أهم قضيتين تكلم الفقهاء في حكمهما وهما زكاة النقد المغشوش، والتعامل به في القرض والاستقراض وغيرهما.


(١) فتوح البلدان: ص ٤٥٦
(٢) حاشية ابن عابدين: ٣ / ١٣٢ و ١٣٣، وفتح القدير: ٥ / ٥١١ بتصرف
(٣) تنبيه الرقود: ص ٥٩
(٤) شرح فتح القدير: ٥/٣٨٢
(٥) حاشية ابن عابدين: ٥/١٦٣
(٦) حاشية ابن عابدين: ٤/٢٤
(٧) كشاف القناع: ٣/٢٧١
(٨) المجموع ٦/٢٨٩

<<  <  ج: ص:  >  >>