للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال صاحب المعيار: "ولا يغفل – أي الحاكم – النظر إن ظهر في سوقهم دراهم مبهرجة ومخالطة بالنحاس، بأن يشد فيها ويبحث عمن أحدثها، فإذا ظفر أناله من شدة العقوبة، وأمر أن يطاف به الأسواق لينكله ويشرد به من خلفه، لعلهم يتقون عظيم ما نزل من العقوبة ويحبسه بعد، على قدر ما يرى، ويأمر أوثق من يجد بتعاهد ذلك من السوق، حتى تطيب دراهمهم ودنانيرهم، ويحرزوا نقودهم فإن هذا أفضل ما يحوط رعيته فيه، ويعمهم نفعه في دينهم ودنياهم ويترجي لهم الزلفى عند ربهم والقربة إليه إن شاء الله " (١) . وواضح من كلام الفقهاء: أن نظرهم في قضية تغير العملة أو غشها من حيث هو فعل يرتب عليه حكم شرعي، أن هذا الفعل يدخل في دائرة الحظر من حيث أصله، سواء بالنسبة للأفراد وهو حينئذ أشد حظرا، لأنه يدخل في دائرة الضرر العام، وقد يكون من الإفساد في الأرض فتلزم عقوبة المتسبب به سدا للذريعة.

وكذا إن كان تغيير العملة بالغش فيها من الدولة، فالأصل فيه الحظر، وخلافه استثناء فيتقيد بتحقيق مصلحة عامة، أو بقصد احتمال مفسدة أقل في سبيل دفع مفسدة أكبر، فلا تكفي حينئذ الحاجة المحتمل إهدارها، فإن كانت حاجة ملحة يترتب على تركها فوات مصالح عامة راجحة، جاز مع مراعاة ثابت الحقوق والالتزامات بالقدر الذي لا يحمل الناس فوق ما يطيقون، وإن رجح أو تيقن ضرر ومفسدة عامة في ترك التغيير، وجب حينئذ سدا للذريعة وحفظا للحقوق، وإن ترتب على ذلك تفويت بعض المصالح تبعا لقاعدة دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.

وأما في عصرنا الحديث فإن القواعد الفقهية التي ذكرناها والتي بنى عليها الفقهاء نظرهم في طبيعة موضوع تغيير العملة وآثارها بالغش أو غيره، تتحقق بذاتها وإنتاجها، وما ذكره الفقهاء من حكم وعقوبة يأتي هنا بتمامه، ويزاد على ذلك أنه ينبغي على الدولة أن تسترشد حين الإقدام على مثل هذا الفعل بما توصل إليه علم الاقتصاد الحديث من وسائل وتدابير وقائية للحيلولة دون احتياج الدولة إلى تغيير علمتها، والعمل على ثبات قيمة نقدها بالنسبة لغيرها من العملات الأخرى، وبالنسبة إلى أسعار السلع تجنبا للتضخم والكساد، كما يسع الدولة الأخذ بالأساليب الاقتصادية الحديثة في علاج هذه القضية إذا اضطرت إليها، وعلاج آثارها المبنية عليها. وكل ذلك مع مراعاة أصول وضوابط الاقتصاد الإسلامي في أبواب الفقه المختلفة وخاصة في أبواب البيع والصرف والربا.


(١) المعيار: ٦ / ٤٠٧

<<  <  ج: ص:  >  >>