المبحث الأول: التعويض في الشريعة الإسلامية:
اتفق العلماء على تحريم الغصب والإتلاف ونحوهما من الاعتداء على أموال الآخرين لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [سورة النساء: ٢٩] ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع ((: إن دمائكم وأموالكم حرام عليكم، من أخذ شبرًا من الأرض طوقه الله من سبع أَرَضِين)) (١) وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)) . (٢)
لهذا فإن الأصل العام المقرر في الضمانات للتخلص من العهدة والمسئولية هو رد الحقوق بأعبائها عند الإمكان، فإن ردها كاملة الأوصاف برئ من المسؤولية وإن ردها ناقصة الأوصاف جبر الضامن أوصافها بالقيمة؛ لأن الأوصاف ليست بين ذوات الأمثال ولكن لا يضمن نقصها بسبب انخفاض الأسعار إلا عند الفقيه أبي ثور فإنه يوجب ضمان قيمة النقص بسبب ذلك. (٣)
وقاعدة الضمان أو كيفيته بالنسبة للأموال بسبب الغصب أو الإتلاف أو نحوهما هو أنه يجب ضمان المثل باتفاق العلماء إذا كان المال مثليًّا (٤) لقوله سبحانه وتعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: ١٩٤] ؛ لأن المقصود من التضمين جبرًا من الضرر وذلك أعدل وأتم في مثل الشيء المختلف؛ لأن المثل معادلة صورة ومعنى أي مراعى فيه جنس التالف وماليته فكان الإلزام بالمثل.
والواجب في الضمان الاقتراب من الأصل بقدر الإمكان تعويضًا للضرر وكذلك إذا تعذر وجود المثل ينتقل إلى القيمة للضرورة وعملًا بالقواعد الشرعية" إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل (٥) إذ هو عندئذ كما لا مثل له.
وأما إذا كان المال قيميًّا كالعروض التجارية والحيوان ونحوهما مما لا مثل له. فيجب ضمان القيمة باتفاق العلماء. (٦) لأنه تعذر الوفاء بالمثل تمامًا صورة ومعنى فيجب المثل معنى وهو القيمة لأنها تقوم مقامه ويحصل بها مثله واسمها ينبئ عنه. (٧)
وتجب القيمة في ثلاث حالات وهي: (٨)
١- إذا كان الشيء غير مثلي كالحيوانات والدور والمصوغات فلكل واحد منها قيمة تختلف عن الأخرى باختلاف الصفات المميزة بكل واحد.
٢- إذا كان الشيء خليطًا مما هو مثلي بغير جنسه.
٣- إذا كان الشيء مثليًّا وتعذر وجود مثله إما حقيقة أو حكمًا (٩)
مما سبق يتضح لنا أن الأصل العام في الضمان أو التعويض هو إزالة الضرر عينًا كإصلاح الحائط أو جبر المتلف وإعادته صحيحًا كما كان عند الإمكان كإعادة المكسور صحيحًا، فإن تعذر ذلك وجب التعويض المثلي أو النقدي.
(١) رواه البخاري ومسلم وأحمد عن عائشة – رضي الله عنها- وللحديث عندهم رواية أخرى عن سعيد بن زيد رواه أحمد والبخاري عن ابن عمر، ورواه أحمد أيضًا عن أبي هريرة. انظر نيل الأوطار للشوكاني، جـ ٥، ص ٣١٧
(٢) رواه أبو إسحاق الجوزي من حديث أبي هريرة الرقاش عن عمه وعمرو بن يثربي.
(٣) قواعد الأحكام، جـ ١، ص ١٥١ وما بعدها – المغني لابن قدامة، جـ ٥ ص ٢٥٧
(٤) رد المحتار، جـ ٥ ص ١٣٠، جـ ٤ ص ١٧٣ تبيين الحقائق للزيلعي، جـ ٥، ص ٢٢٣
(٥) المادة ٥٣ من مجلة الأحكام الشرعية
(٦) إلا أن الإمام مالك يقول: لا يقضى في العروض من الحيوان وغيره إلا بالقيمة يوم استهلك. وجمهور الفقهاء يقولون: الواجب في ذلك المثل لا تلزم القيمة إلا عند عدم المثل. – انظر بداية المجتهد، جـ ٢ ص ٣١٢
(٧) انظر تبيين الحقائق للزيلعي، جـ ٥، ص ٢٢٣، ٢٣٤
(٨) جمال الدين محمد عطوة – المسئولية التعاقدية في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة- مرجع سابق.
(٩) التعذر إما حقيقي حسي كانقطاع وجود المثل في السوق بعد البحث عنه وإن وجد في البيوت، أو حكمي كأن لم يوجد إلا بأكثر من ثمن المثل، أو كان العجز عن المثل شرعًا بالنسبة للضامن كالخمر بالنسبة للمسلم يجب عليه للذمي عند الحنفية ضمان القيمة، وإن كانت الخمر من المثليات لأنه يحرم عليه تملكها بالشراء – انظر جمال الدين محمد عطوة المسئولية التعاقدية في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة - ص ٣٧٨