وما نحسب مفسرًا أو متأولًا مستقيم النظر في دلالة الآي مستحضرًا لمواقعها ومساقها ومناسباتها يسيغ لنفسه أن يزعم أن واحدة من هذه الآيات إنما تعني بكلمة " صلح " ومشتقاتها ما يتصل بالتعبد غير المعقول المعنى لله سبحانه وتعالى.
فالموعودون بالمغفرة والرحمة ممن استزلهم الشيطان بالقذف إن هم تابوا وأصلحوا , ليس إصلاحهم بالضرورة شاملًا للقيام بجميع العبادات المأمور بها؛ لأن إفسادهم الذي استوجبوا من أجله العقاب في الدنيا والحرمان من قبول شهادتهم
والوصف بالفسق , إنما هو رمي المحصنات , وبدهي أن الإصلاح المطلوب منهم ليتأهلوا للمغفرة والرحمة هو أن يكذبوا أنفسهم ويشيعوا تبرئة المحصنات مما قذفوهن به إشاعة تشمل مدى ما أشاعوه من قذف , واللذان أُمِر المسلمون بالإعراض عنهما والكف عن إيذائهما لما أتياه من الفاحشة إن تابا وأصلحا , يراد بإصلاحهما الإقلاع عن إتيان الفاحشة , إذ هي الفساد الذي من أجله أمر المسلمون بإيذائها.
هذان مثلان من دلالة كلمة "صلح " ومشتقاتها في الآيات التي سقناها براهين على أن القرآن الكريم استعمل هذه الكلمة في مواضع شتى ليس بمعنى التقوى , كما توهم المفسرون في كثير من الآيات , ولكن بمعنى إزالة الفساد المتصل بإحداث الخلل في المجتمع , سواء كان الخلل في المال أو في الأنساب أو في غيرهما مما يتصل بالحياة الاجتماعية أو بمعنى الإسهام في عمارة الأرض وتطوير الحياة البشرية عليها أو ما نسميه اليوم بالإنماء الاقتصادي وتطوير الحضارة , وهذان الأمران؛ الإقلاع عن الفساد , والإسهام في التطوير الحضاري، هما الصلاح المؤهل لخلافة الله في الأرض وإرثها الذي هو إرث التصرف فيها وتصريف نتاجها.
ولعلنا قد أوضحنا بما فيه الغناء كل الغناء ما نذهب إليه من أن علاقة الإنسان بما خول له في الأرض وفي الكون من " الثابت " و" المتنقل " هي الاختصاص في التصرف , وهي ما سماه الله سبحانه وتعالى بالخلافة حين جعل الإنسان خليفة له في الأرض , وأهلية الإنسان لهذه الخلافة هي التي لم يتبينها الملائكة حين توجسوا من استخلاف الله له , فقالوا إذ قال لهم: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (١) {: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} } (٢)
(١) الآية رقم (٣٠) سورة البقرة.
(٢) الآية رقم (٣٠) سورة البقرة.