للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن عجب أن المفسرين لم يلتفتوا إلى تجرد قوم عابدين من أداة التعريف , فلو أريد بهم القوم العابدون الذين هم الصالحون في رأيهم لما كان لتجريد قوم عابدين من أداة التعريف معنى واضح , ومعاذ الله أن يكون في القرآن تعبير ليس مقصودًا لذاته , وليست صيغته مرادة في دلالته , والمعنى - والله أعلم - أن البشارة بأن الأرض يرثها عباد الله الصالحون وجهت بلاغًا لقوم يعانون من الذل معاناة تفعم نفوسهم ألمًا حتى لا يتحول الألم فيها إلى نمط من الغضب على الحياة لما يعانون من الذلة والهوان , فهي بشارة وجهت إليهم "بلاغًا " لتعيد إليهم الأمل وتدعوهم إلى الاستعداد بابتغاء المؤهلات التي تجعلهم صالحين لخلافة الله في الأرض بأعمارها مؤهلين لإرثها بصلاحهم له.

ونعتقد أن مما يشهد لرأينا هذا , ما وصف به إبراهيم وبنوه من أنهم كانوا عابدين في قوله سبحانه وتعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} , فهم موصوفون في هذه الآية الكريمة بالتذلل والخضوع لله وبأنهم أوحي إليهم فعل الخيرات , أي: أنهم يفعلون الخيرات بإلهام من الله وتوفيق , وهذه الخيرات ليست هي العبادات غير المعقولة المعنى والتي تضبط العلاقة بين العبد وربه , وإنما هي شيء يتجاوز مجرد التعبد , كانوا يفعلونه بوحي من الله متقربين إلى الله بالاستذلال له , فهم له عابدون , على أن كلمة عابدين في هذه الآية ليست وصفًا لنكرة , وإنما هي وصف لمعرفة , فهي تختلف صيغة عن كلمة عابدين في الآية السابقة , ومع ذلك فلا تبعد عنها في جوهر معناها , وإن اختلفتا وجهة دلال باختلاف المساق , وهذه من روائع الإعجاز القرآني.

وقد وردت كلمة (صلح) ومشتقاتها في القرآن الكريم دالة على غير العبادة والالتزام بها , وإن كان مدلولها داخلًا بالنية عند استحضارها في مضمون العبادة. قال الله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أو إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} (١)

{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ} (٢) {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} (٣) {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} (٤) {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} (٥) {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} (٦) {وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} (٧) {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} (٨) {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} (٩) {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} (١٠) . {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (١١)


(١) الآية رقم (١٨٢) سورة البقرة.
(٢) الآية: (٣٩) سورة المائدة.
(٣) الآية: (١٦) سورة النساء.
(٤) الآية: (١٦٠) سورة البقرة.
(٥) الآية (٥١) و (٥٢) سورة الشعراء.
(٦) الآية: (٤٨) سورة النمل.
(٧) الآية: (٤٢) سورة الأعراف.
(٨) الآية: (٤٦) سورة هود.
(٩) الآية: (٣٣) سورة النور.
(١٠) الآية: (٢٧) سورة القصص.
(١١) الآية: (١٧) سورة هود

<<  <  ج: ص:  >  >>