للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وواضح أن قوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} , يعني: التمييز بين الإيمان والعمل من الصالحات , وهو نفس التمييز الوارد في قوله سبحانه وتعالى في سورة النور: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} (١)

ويعني أيضًا من هم "الصالحون " في قوله: {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (٢) , ومن عجب أن يذهب المفسرون في تأويل هذه الآية كل مذهب إلا التأويل الصحيح , فإنهم أهملوه أو غفلوا عنه، ذلك بأن كلمة "الصلاح" وما اشتق منها وقر في أذهانهم وأفهامهم أنها لا تعني في القرآن والحديث إلا الصلاح المؤدي إلى نعيم الآخرة حتى حين ترد في معرض ضبط وتنظيم شؤون الدنيا , وهذا الذي وقر في أذهانهم جعلهم يتكلفون التأويلات لما يكون تأويله ظاهرًا , بل ثابتًا من القرآن الكريم نفسه ومن نسبة الله في كونه، فليس الصلاح الذي معناه التقوى مؤهلًا لصاحبه وحده لأن يكون خليفة الله في الأرض يوكل إليه أمر أعمارها وتطويرها لصالح الناس كافة , إنما الصلاح المؤهل لهذه المهمة هو الكفاية للقيام بها بما تقتضيه مسؤولية خلافة الله ومهمتها , وقد لفت الله سبحانه وتعالى الانتباه إلى الحكمة من هذه السنة التي استنها للكون بتعقيبه على الآية الآنفة الذكر بقوله جل جلاله: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} (٣) , فجاءت العبارة مسوقة على التذكير في المضاف إليه وصفته، فلم يقل جل جلاله: للقوم العابدين. بالتعريف , ومع ذلك اضطرب المفسرون في تأويل هذه الآية واحتاروا اضطرابهم واحتيارهم في تأويل سابقتها , وذهبوا في كل مذهب إلا المذهب الصحيح القويم , وهو أن الصالحين الذين كتب الله في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثونها , هم قوم عابدون , وعبد في هذه الآية ليس من العبادة في دلالتها الشرعية , وإنما هو من أصل دلالتها اللغوية , وهي الذلة والألم الذي يتشكل في بعض حالاته غضبًا , وقد عرفت العرب استعمال كلمة التعبيد بمعنى التذليل , كما عرفت استعمال كلمة عبد - بكسر الباء الموحدة - بمعنى غضب , وقد شاع في ألسنة الناس وصف الطريق السوية بأنها معبدة (٤) .


(١) الآية رقم (٥٥) سورة النور.
(٢) الآية: (١٠٥) سورة الأنبياء.
(٣) الآية: (١٠٦) سورة الأنبياء.
(٤) انظر ابن منظور لسان العرب. ج: ٣. ص: ٢٧٤ و٢٧٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>