للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم إن قول عمر هذا ليس بدعًا من عمر , وإنما هو تطبيق لاستمرار حكم كان من عهد موسى عليه السلام وحكاه القرآن الكريم عنه في قول الله جل جلاله على لسانه: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ} (١) , فهي ليست لأحد , وهو يورثها من يشاء من عباده , وهؤلاء الذين يشاء - أو اقتضت حكمته وجرى سننه - أن يورثها لهم من عباده , هم الذين أشار إليهم موسى عليه السلام نفسه في قوله في الآية التالية لهذه: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} (٢) , فهو يعدهم بالاستخلاف وينبههم إلى أن الاستخلاف ليس وضعًا مكتسبًا اكتسابًا أبديًا لهم , وإنما هو ابتلاء أو امتحان يظهر الله تعالى به صلاحهم أو عدم صلاحهم له إذ: {فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} . ونظيره قوله سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (٣) , فهي إذن سنة الله في خلقه , يستخلف على الأرض من يشاء من عباده ما أحسنوا خلافته عليها , لا فرق بين مسلم وغير مسلم , وينتزعها منهم إذا أفسدوا , فلم يحسنوا خلافته عليها , لا فرق أيضًا بين مسلم وغير مسلم , وهو لا ينذرهم بانتزاعها فحسب , وإنما ينذرهم بالعقاب على الإفساد , ويبشرهم بالرحمة لمن أناب إليه , وتاب بعد أن أفسد، فالعلاقة بين الإنسان وما خول له من ثابت ومتنقل هي خلافة الله في تصريفه والتصرف فيه , وهي مستمرة ما أحسن القيام بواجبات الخلافة , فزائلة عمن أساء إلى غيره ممن لم يسئ , وقد يكون أصلح , وذلك عندي - ولا شيء غيره , وإن تجمهر المفسرون على غيره - تأويل قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (٤) , ذلك بأن هذه الآية الكريمة وردت بعد مجموعة من أخبار الأولين أمم وأنبياء ورسل , امتحنوا بألوان من الابتلاء من سراء وضراء , وكان لهم تأثير في تطور الحياة في الأرض , وفيهم داود وسليمان اللذين كانا ملكين , وفيهم زكريا الذي كانت ضراعته إلى الله أن يهبه وريثًا , وبعد حكاية أخبار هذه الأمم وهؤلاء الأنبياء والرسل جاء قوله سبحانه وتعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} (٥)


(١) الآية رقم (١٢٨) سورة الأعراف.
(٢) الآية رقم (١٢٩) سورة الأعراف.
(٣) الآية رقم (١٦٥) سورة الأنعام.
(٤) الآية رقم (١٠٥) سورة الأنبياء.
(٥) الآيتان (٩٤، ٩٥) سورة الأنبياء.

<<  <  ج: ص:  >  >>