قلت: ومن هذا القبيل دلالة اللام في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}(١) فهي عندي لـ"اختصاص" التصرف تمامًا كما هي في الآية السالفة التي استدل بها الباجي لإبراز معنى التصرف فيها، يعضد ذلك جواب عمر لأخي بني ثعلبة حين حاجه بقوله: بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام , إذ إن عمر لم يجبه بصيغة تحتفظ بإضافة البلاد والأرض إلى بني ثعلبة الذين قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام , إنما حاجهم بقوله: البلاد بلاد الله , ويحمي النعم مال الله. الحديث.
وما من شك في أن عمر - رضي الله عنه - عدل عن إضافة الأرض إلى بني ثعلبة , فصرف إضافتها إلى الله عن عمد ولهدف قاصد , بل ولحكم ثابت عنده دل عليه قوله: البلاد بلاد الله , , ويحمي النعم مال الله. ولست أجد نصًا أوثق من هذا يفرق بين "الملكية" و" التصرف" , ذلك بأن المالك هو الأحق , بل صاحب الحق الوحيد فيما يملك إذا تعينت الحاجة إلى "تخصصه " أو "تخصص" ما يتصل به مباشرة بحق المنفعة و"الانتفاع" , وأن من قد يكون خول لها "التصرف" أو جعل له "الاختصاص " في ذلك الملك كله أو بعضه , إنما يكون ذلك الذي خول له
أو جعل حين لا تتعين الحاجة إلى أن يستقل المالك أو غيره ممن هو أوثق منه صلة وأولى بالتخويل والتخصيص. فإذا تعينت كان تعينها ناسخًا لأي تخويل أو "تخصيص" أيا كان المخول له "المخصص" , ولسنا نرى لعدول عمر عن إضافة البلاد إلى بني ثعلبة وصرف إضافتها إلى الله وتعليل ذلك الصرف بأن النعم الذي يحمل عليه مال الله , دلالة غير الإصداع بهذا الحكم الحازم الحاسم الذي لا يقبل أي مراء أو تأويل.
ولا سبيل إلى القول بأن هشام بن سعد المدني راوي هذا الأثر عن زيد بن أسلم وصفه البعض بأنه "قد يهم" , فأطراف من الحديث وردت بطرق أخرى , وهشام بن سعد روى عنه مسلم والأربعة , ولم يغمز في دينه , والحديث من الشهرة بحيث كان حريا بأن يثير جدلًا بين التابعين من طبقة هشام ومن دونها ومن فوقها لو كان فيه ما رآه المحدثون جديرًا بالجرح أو الريب.