والثالث: ما يكون أداؤه إلى المفسدة كثيرًا لا نادرًا , وهو على وجهين؛ أحدهما: أن يكون غالبًا , كبيع السلاح من أهل الحرب , والعنب من الخمار , وما يغش به ممن شأنه الغش ونحو ذلك.
والثاني: أن يكون كثيرًا لا غالبًا , كمسائل بيوع الآجال , فهذه ثمانية أقسام.
فأما الأول فباق على أصله من الإذن , ولا إشكال فيه , ولا حاجة إلى الاستدلال عليه؛ لثبوت الدليل على الإذن ابتداء. وأما الثاني فلا إشكال في منع القصد إلى الإضرار من حيث هو إضرار لثبوت الدليل على أن لا ضرر ولا إضرار في الإسلام , لكن يبقى النظر في هذا العمل الذي اجتمع فيه قصد نفع النفس وقصد إضرار الغير , هل يمنع منه فيصير غير مأذون به , أم يبقى على حكمه الأصلي من الإذن , ويكون عليه إثم ما أفسد؟
هذا مما يتصور فيه الخلاف على الجملة , وهو جار على مسألة الصلاة في الدار المغصوبة , ومع ذلك فيحتمل في الاجتهاد تفصيلًا , وهو أنه إما أن يكون إذا رفع ذلك العمل وانتقل إلى وجه آخر في استجلاب تلك المصلحة أو درء تلك المفسدة , حصل له ما أراد أولا , فإن كان كذلك , فلا إشكال في منعه منه؛ لأنه لا يقصد ذلك الوجه لأجل الإضرار , فلينتقل عنه , ولا ضرر عليه , كما يمنع من ذلك الفعل إذا لم يقصد غير الإضرار , وإن لم يكن له محيص عن تلك الجهة التي ينظر منها الغير , فحق الجالب أو الدافع مقدم , وهو ممنوع من قصد الإضرار , ولا يقال: إن هذا تكليف بما لا يطاق , فإنه إنما كلف بنفي قصد الإضرار , وهو داخل تحت الكسب , لا بنفي الإضرار بعينه.
وأما الثالث - ويعني به أن يكون الإضرار عامًا - فلا يخلو أن يلزم من منعه الإضرار به , بحيث لا ينجبر أولا، فإن لزم , قدم حقه على الإطلاق على تنازع يضعف مدركه من مسألة الترس التي فرضها الأصوليون , إذا تترس الكفار بمسلم , وعلم أن الترس إذا لم يقتل استوصل أهل الإسلام , وإن أمكن انجبار الإضرار ورفعه جملة , فاعتبار الضرر العام أولى , فيمنع الجالب أولًا الدافع مما هم به؛ لأن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة بدليل النهي عن تلقي السلع وعن بيع الحاضر للبادي واتفاق السلف على تضمين الصناع مع أن الأصل فيهم الأمانة , وقد زادوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره مما ومتى رضي أهله وما لا، وذلك يقضي بتقديم مصلحة العموم على مصلحة الخصوص , ولكن بحيث لا يلحق الخصوص مضرة.