للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم قال:

"وأما إن ترجحت إحدى الجهتين، على الأخرى فيمكن أن يقال: إن قصد الشارع "غير " (١) متعلق بالجهة الأخرى , إذ لو كان متعلقًا بالجهة الأخرى لما صح الترجيح ولا كان الحكم , كما إذا تساوت الجهتان فيجب الوقف , وذلك غير صحيح مع وجود الترجيح".

وقال الشاطبي أيضًا (٢) :

"مقاصد الشارع في بث المصالح في التشريع أن تكون مطلقة عامة لا تختص بباب دون باب , ولا بمحل دون محل , ولا بمحل وفاق دون محل خلاف , وبالجملة الأمر في المصالح مطرد مطلقًا في كليات الشريعة وجزئياتها".

ومن الدليل على ذلك ما تقدم في الاستدلال على مطلق المصالح , وأن الأحكام مشروعة لمصالح العباد , ولو اختصت لم تكن موضوعة للمصالح على الإطلاق , لكن البرهان قام على ذلك , فدل على أن المصالح فيها غير مختصة ".

ثم قال (٣) :

"جلب المصلحة أو دفع المفسدة إذا كان مأذونًا فيه على ضربين: أحدها: أن لا يلزم منه إضرار للغير , والثاني: أن يلزم منه ذلك، وهذا الثاني ضربان؛ أحدهما: أن يقصد الجالب أو الدافع ذلك الإضرار , كالمرخص في سلعته قصدًا لطلب معاشه وصَحِبه قصد الإضرار بالغير , والثاني: أن لا يقصد إضرارًا بأحد، وهو قسمان؛ أحدهما: أن يكون الأضرار عاما , كتلقي السلع وبيع الحاضر للبادي , والامتناع من بيع داره أو فدانه , وقد اضطر إليه الناس لمسجد جامع أو غيره.

والثاني: أن يكون خاصا , وهو نوعان؛ أحدهما: أن يلحق الجالب أو الدافع بمنعه من ذلك ضرر , فهو محتاج إلى فعله , كالدافع عن نفسه مظلمة , يعلم أنها تقع بغيره أو يسبق إلى شراء طعام أو ما يحتاج إليه أو إلى صيد أو إلى حطب أو ماء أو غيره عالمًا إذا جازه استضر غيره بعدمه , ولو أخذ من يده استضر.

والثاني: أن لا يلحقه بذلك ضرر , وهو على ثلاثة أنواع:

أحدها: ما يكون أداؤه إلى المفسدة قطعيا , أعني القطع العادي , كحفر البئر خلف باب الدار في الظلام بحيث يقع الداخل فيه بلا بد، وشبه ذلك.

والثاني: ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادرًا كحفر البئر بموضع لا يؤدي غالبًا إلى وقوع أحد فيه , وأكل الأغذية التي غالبها أن لا تضر أحدًا , وما أشبه ذلك.


(١) بدون زيادة لا يستقيم التعبير.
(٢) الموافقات. ج: ٢. ص: ٥٤.
(٣) الموافقات. ص: ٣٤٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>