للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم قال:

"هذا وجه النظر في المصلحة الدنيوية والمفسدة الدنيوية من حيث مواقع الوجود في الأعمال العادية، وأما النظر الثاني فيها من حيث تعلق الخطاب بها شرعا , فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد , فهي المقصودة شرعًا , ولتحصيلها وقع الطلب على العباد ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل , وليكون حصولها أتم وأقرب وأولى بنيل المقصود على مقتضى العادات الجارية في الدنيا، فإن تبعها مفسدة أو مشقة فليست مقصودة في شرعية ذلك الفعل وطلبه , وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد , فرفعها هو المقصود شرعًا , ولأجله وقع النهي ليكون رفعها على أتم وجوه الإمكان العادي في مثلها حسب ما يشهد له كل عقل سليم، فإن تبعتها مصلحة أو لذة , فليست هي المقصودة بالنهي عن ذلك الفعل , بل المقصود ما غلب في المحل , وما سوى ذلك ملغى في مقتضى النهي , كما كانت جهة المفسدة ملغاة في جهة الأمر.

فالحاصل من ذلك أن المصالح المعتبرة شرعًا أو المفاسد المعتبرة شرعًا , هي خالصة غير منسوبة بشيء من المفاسد لا قليلًا ولا كثيرًا , وإن توهم أنها مشوبة , فليست في الحقيقة الشرعية كذلك؛ لأن المصلحة المغلوبة أو المفسدة المغلوبة إنما المراد بها ما يجري في الاعتياد الكسبي من غير خروج إلى زيادة تقتضي التفات الشارع إليها على الجملة , وهذا المقدار هو الذي قيل: إنه غير مقصود للشارع في شرعية الأحكام ".

ثم قال (١) .

"وأما إذا كانت المصلحة أو المفسدة خارجة عن حكم الاعتياد بحيث لو انفردت لكانت مقصودة لاعتبار الشارع , ففي ذلك نظر ".

ثم قال:

"فلا يخلو إما أن تتساوى الجهتان , أو تترجح إحداهما على الأخرى، فإن تساوتا فلا حكم من جهة المكلف بأحد الطرفين دون الآخر إذا ظهر التساوي بمقتضى الأدلة , ولعل هذا غير واقع في الشريعة ".


(١) الموافقات. ص: ٣٠ و٣١

<<  <  ج: ص:  >  >>